ليبيا وبيان الفرقاء الأوروبيين " فرنسا، ايطاليا، ألمانيا " .. دعوات كلاسيكية ورسائل قوية


ناصر زهير / مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

خرج بيان أوروبي مشترك يدعو الى وقف القتال في ليبيا فورا وبدون شروط، هذا الدعوة التي تضمنتها صيغة البيان قد تبدو كلاسيكية ومتكررة من الأطراف الأوروبية ولكن إذا ما نظرنا الى التوقيت والدول التي أعلنت البيان فإن الوضع يختلف عن البيانات السابقة.

فالدول التي أعلنت البيان المشترك ضمت الفرقاء الأوروبيين الأبرز في الملف الليبي وهم فرنسا وايطاليا وبجانبهم ألمانيا التي تحاول أن تجمع الموقف الأوروبي المتشظي لتكون الممثل المحايد للأطراف الأوروبية، كما أن البيان يأتي بعد تصعيد غير مسبوق في الخلافات بين فرنسا و تركيا حول ليبيا، كما أن زيارة وزير الخارجية الإيطالي الى أنقرة منذ أيام وأيضا زيارة وفد ايطالي رفيع المستوى الى طرابلس في نفس التوقيت الذي كانت باريس تخوض حرب تصريحات دبلوماسية مع أنقرة. أعطى انطباعا لدى بعض الأطراف بأن إيطاليا لا تتناغم مع الطرف الأوروبي وتسعى خلف مصالحها بمعزل عن فرنسا وألمانيا، ولكن هذا البيان أتى ليؤكد وحدة الموقف الأوروبي في اللحظات الحرجة بما يتعلق بليبيا وشرق المتوسط .

في نقاش تلفزيوني مستعر قبل أيام بيني وبين سياسي وصحفي ألماني كان الطرف المقابل متهجم جدا على الموقف الفرنسي و وجه انتقادات لاذعة لكل ما قامت به فرنسا بما يتعلق بليبيا، ولكن بعد أخذ ورد وشرح مطول لأن التصعيد الأن لا يتعلق بليبيا فقط بل يتمحور حول شرق المتوسط وبوابة أفريقيا للهجرة والصراع على حقول النفط والغاز في المنطقة والأهم اتفاقية ترسيم الحدود بين أنقرة وحكومة الوفاق والتي قسمت البحر المتوسط بين تركيا وليبيا بخط فاصل سيضرب مصالح الأوروبيين بشدة .. قال الطرف الألماني بالحرف " بعد تسجيل انتقادي الشديد لفرنسا ولكنها تطرح قضايا مهمة لجميع الأوروبيين ومخاوف مشتركة لجميع الدول بما فيهم ايطاليا " ، ومن هنا يمكن أن نفهم العقلية الأوروبية التي تختلف فيما بينها ولكنها توحد مواقفها في اللحظات الفاصلة للمصالح الأوروبية .

الأوروبيون يفهمون جيدا بأن الوضع في ليبيا أصبح خطير جدا ومعقد للغاية وبأن دورهم أصبح يتقلص لصالح اللاعبين الجدد بالملف الليبي وهم "تركيا وروسيا" وبالتالي لا يمكن أن يستمر الخلاف فيما بينهم في هذا التوقيت بالذات وإلا فإنهم سيكونون خارج المعادلة مع أول فرصة تتيح للأطراف الفاعلة في ليبيا إقصائهم ، كما أن تصاعد التحركات الأمريكية في الأيام الماضية في الملف الليبي أعطى مؤشر أيضا على أن الصوت الأوروبي يجب أن يكون عاليا بصيغة جماعية وليس فقط الصوت الفرنسي .

دائما ما يتم طرح القضية على أنها مزايدة على التدخلات الخارجية في هذا البلد ولكن في هذا التوقيت بالذات لم يعد الأمر يعني ليبيا فقط والأطراف المتصارعة فيها ، بل تخطى ذلك ليكون صراع دولي محتدم للتواجد في شرق المتوسط والسيطرة على المصالح الاقتصادية في هذا البلد الذي يعتبر بوابة أفريقيا الكبرى ، كما أن حقول النفط والغاز التي تم اكتشافها في شرق المتوسط تعتبر عامل مهم لأي دولة كبرى للتواجد في هذه المنطقة وخاصة عن طريق ليبيا .

ولكن الأمر مختلف بالنسبة للأوروبيين وخاصة "ايطاليا وفرنسا" لأن مصالح هذه الدول مضمونة منذ سنوات طويلة عبر شركتي إيني الايطالية وتوتال الفرنسية، ولا نقول هنا بأن الدول الأوروبية لا تبحث عن المزايا الاقتصادية ،فجميع الدول تسعى خلف مصالحها وخاصة الاقتصادية، ولكن في هذا التوقيت بالذات فإن الأمر لا يتعلق بالمصالح الاقتصادية بقدر ما يتعلق بالأمن القومي والاستراتيجي لأوروبا وخاصة سواحلها الجنوبية .

المصالح الأوروبية مهددة في هذا التوقيت عبر أربعة محاور .

ـ الأول: بوابة أفريقيا للهجرة عبر ليبيا والتي تشكل عامل قلق متزايد للأوروبيين خاصة انتقال الجماعات المتطرفة و وصولهم الى السواحل الأوروبية الجنوبية .

ـ الثاني: التواجد العسكري التركي والروسي في هذه المنطقة والتي تعتبر منطقة نفوذ أوروبية خالصة، وما يمكن أن يترتب على هذا التواجد العسكري من تهديد لمصالح أوروبا .

ـثالثا: اتفاقية ترسيم الحدود بين تركيا وحكومة الوفاق والتي استثنت حقوق جزيرة كريت اليونانية وقسمت البحر المتوسط بخط متصل سيهدد المصالح الأوروبية الاقتصادية والعسكرية والسياسية .

ـرابعا: قضية الصراع التركي اليوناي حول قبرص والتنقيب عن النفط والغاز والخلافات المستعرة بين الطرفين بهذا الشأن .

هذه العوامل الأربعة تجعل توحد الموقف الأوروبي حتمي ولا بديل عنه في هذه المرحلة، ورغم كل الخلافات الفرنسية الايطالية يمكن للجانبين وضع خلافاتهم الداخلية جانبا والتوحد للحفاظ على المصالح الأوروبية ومن ثم العودة الى خلافاتهم لاحقا. وإلا فإن الخسائر ستكون كبيرة على الطرفين ، والدور الأوروبي ستقلص كثيرا في الفترة القادمة وهذا ما لا يريده الأوروبيون في هذه المرحلة وخاصة فرنسا .

المشكلة الكبرى تكمن في الحل السياسي الذي تدعو اليه جميع الأطراف وهو تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين وتفعيل الحل السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة، وهذه الأخيرة لا تزال غائبة عن المشهد السياسي الليبي وخاصة عبر عدم تعيين مبعوث أممي خاص الى ليبيا بديلا عن غسان سلامة، ورغم أن هذا المنصب لا يمكن أن يكون مؤثر بشكل كبير في الحل ولكن على الأقل سيكون صاحب تأثير كبير في تقريب وجهات النظر وخفض التصعيد ونقل الرسائل المباشرة بين جميع الأطراف، وهذا ما نجح بفعله غسان سلامة طوال فترة تعيينه في منصبه .


والأهم هو إعطاء الثقة و ضمانات دولية لأي محادثات سياسية قادمة وأي هدنة دائمة لوقف اطلاق النار يتم التوصل اليها، وأن يكون هناك قرار من مجلس الأمن يعطي آلية لفرض وقف القتال وإرسال مراقبين دوليين وفي مرحلة لاحقة إرسال قوات دولية لفرض وقف إطلاق النار في حال عدم التزام أطراف الصراع وداعميهم، وما دون ذلك سيكون إضاعة للوقت وتهيئة لمواجهة عسكرية قد تكون إقليمية في بدايتها ولكنها ستتطور لتكون دولية في نهايتها، ونتائج هذه المواجهة ستكون كارثية على ليبيا وأفق الحل السياسي وستزيد من حدة الصراعات في شرق المتوسط وشمال أفريقيا .