بين الضرورات السياسية والاقتصادية و التحذيرات الطبية…متى تتخذ الدول قرارا بإنهاء الحظر وفتح الاقتصاد


تقدير موقف / ناصر زهير / باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

بين الضرورات السياسية والاقتصادية للحفاظ على كيان الدولة وبين الواجب الإنساني بالحفاظ على حياة البشر بأقصى الإمكانيات المتاحة، وبين الأنانية و الواقعية يبرز السؤال الأهم في هذه الأيام، " إلى متى سيستمر الحجر الصحي الكامل وإغلاق الاقتصاد "، و متى يحق للدول اتخاذ القرار بانهاء اجراءات الحظر وإعادة فتح المدن والعمل على دوران حركة الاقتصاد من جديد .

وهنا يبدأ الصراع بين صناع القرار في أي اتجاه سيسيرون وماهي القرارات التي يجب أن تحكم توجهاتهم، هل الاستماع الى أصوات الأطباء ومنظمة الصحة العالمية التي حذرت من إنهاء مبكر لاجراءات الحجر الصحي في بعض البلدان، أم الاستماع الى صوت الاقتصاديين والسياسيين الذين يرون خطر أكبر قد ينتج عن استمرار الإغلاق إلى أمد مجهول، ويرون في الخسائر التي قد تصيب الدول نتيجة انهيار اقتصادي وحدوث فوضى اقتصادية واجتماعية وسياسية لن تكون أقل ضررا من فيروس كورونا .


نحن هنا أمام جزئين من العالم، فهناك دول لديها نظام بطالة وحالة طوارئ يمكنها من خلاله مساعدة مواطنيها اقتصاديا في حالات الحجر التي تجبرهم على التوقف عن أعمالهم وبالتالي توقف وارداتهم الاقتصادية وهنا نتحدث عن شريحة تمثل 70٪ من السكان في معظم هذه الدول التي تمتلك مثل هذه القدرات والأنظمة .

ودول أخرى لا يوجد لديها أي آليات تعويض عن البطالة أو التوقف عن العمل وفي أحيان كثيرة لا تمتلك مثل هذه الدول امكانية تقديم مثل هذه المساعدات لسكانها والذين يمثلون أكثر من 85٪ من السكان .


وبالتالي نحن أمام دول متفاوتة في القدرات والقوة الاقتصادية وقدرة التحمل على المدى المتوسط والطويل، والمشكلة الأكبر بأن الاقتصاد العالمي بنظامه الحالي مترابط مع بعضه البعض بشكل كبير جدا بحيث لا يمكن لأي جزء من الاقتصاد العالمي أن يعمل ويتحرك في حال كان هناك توقف في أجزاء أخرى .


فعلى سبيل المثال لو قررت الدول الأفريقية أو بعض الدول الآسيوية استمرار الاقتصاد والعمل والانتاجية مهما كلف الثمن فهي لن تستطيع فعل ذلك إلا بالحد الأدنى في حال بقيت الاقتصادات العالمية مغلقة في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا، ومن هنا يمكن القياس على الأضرار ومدى الانهيار الاقتصادي الذي يمكن أن يحدث ويتسبب بفوضى عارمة في جميع دول العالم بلا استثناء .

كما أن الاقتصاد العالمي منهك بالأصل قبل بداية فيروس كورونا وكان هذا الاقتصاد يترنج تحت ضربات الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة والتي استمرت لسنوات ومن ثم مشاكل الديون في دول الاتحاد الأوروبي والصراع بين دول الشمال والجنوب، والمشاكل الاقتصادية الكبيرة التي كانت تواجه معظم دول الشرق الأوسط والدول الأفريقية.

وبالتالي لا يوجد إمكانية لاحتمال الاقتصاد العالمي مثل هذا التوقف والإغلاق الى وقت طويل ربما يصل الى شهور في ظل المعطيات الحالية .

فالأموال التي تم ضخها في الاقتصاد تبدو ضخمة جدا، فقد رصدت الولايات المتحدة 2000 مليار دولار لإنعاش الاقتصاد الأمريكي ومساعدة الأمريكيين لتجاوز الأزمة، ودول الاتحاد الأوروبي أقرت ما يصل الى 1250 مليار دولار مابين خطة إنقاذ عاجلة وبرنامج لشراء الديون العامة والخاصة، ومعظم دول العالم استنفرت ميزانياتها وبنوكها المركزية للتحرك بعد اجتماع مجموعة العشرين الأخير والذي أقر خطة ب 5000 ألاف مليار دولار لإنعاش الاقتصاد العالمي ولكن لا يبدو بأن هذه الجهود كافية لابقاء اقتصاد العالم في حالة مقاومة فالمؤشرات تترنح بين التراجع والتقدم بخطوات طفيفة ولا زلنا في وضعية السقوط الحر منذ الإعلان عن إغلاق اقتصادات العالم بشكل متتابع .



قد لا تبدو الصورة سوداوية بالمطلق ولكن في حال استمرار الحظر وإغلاق الاقتصاد العالمي الى مابعد الأول من مايو القادم فإن النتائج لن تكون مبشرة، وعلى الأقل يجب وضع خطط ومواعيد محددة لبدء الرفع التدريجي للحظر والبدء بدوران عجلة الاقتصاد وإن كان بشكل جزئي ومتتابع، أما اذا استمرت الضبابية الاقتصادية فإننا نسير نحو الأسوأ .

متى يحق للسياسيين وصناع القرار رفع الحظر و إعادة فتح الاقتصاد …


عندما يصل الأمر الى حد انهيار اقتصادي " ونحن قريبين منه " فإن السياسيين سيتخذون القرار الأصعب وهو المواجهة ، فالدولة توضع في حالة الحرب ويتم إعادة العمل والحياة الى طبيعتها مع اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لمواجهة الفيروس، ولكن في نهاية الأمر هناك هدف واحد للدول وهو الحفاظ على كيانها وقوتها وشعبها والانهيار الاقتصادي سيتسبب بفوضى قد تدمر كل شيئ بما فيه كيان الدولة وقوتها السياسية والعسكرية .


ومهما كانت الخسائر فإن الدول ستتقبلها على الرغم من وجود تجارب تعتبر نوعا ما مبشرة في طريقة التعامل مع الأزمة، فالصين بدأت بإعادة الفتح التدريجي لمدينة ووهان التي تعتبر البؤرة الأولى والأكبر للفيروس، وعلى الرغم من أن الصين لا تعطي الأرقام والبيانات الحقيقية لعدد المصابين والمتوفين ولكن في النهاية يمكن التعايش مع فكرة المواجهة بالحد الأقصى مع إعادة فتح المدن وعودة الاقتصاد للعمل .



وفي نهاية المطاف تبقى الآمال معلقة على الأطباء والباحثين والمختبرات في إيجاد لقاح سريع ينهي هذه الأزمة ويحد من انتشارها، ولكن في المقابل يجب الحفاظ على استمرارية الاقتصاد العالمي وضمان عدم انهياره في مرحلة ما، فالفوضى التي قد تجتاح العالم نتيجة انهيار اقتصادي ستكون أقوى وأشد فتكاً من انتشار فيروس كورونا .