الدور الأمريكي في سوريا، مابين الصراع بين ترامب والبنتاغون والتغيرات الإقليمية في المنطقة


تحليل الحدث / مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية


هناك شيئ ما يجري في كواليس التخبط الأمريكي في شمال شرق سوريا، فما بين إعلان انسحاب كامل، وبعدها إعلان بقاء قوات عسكرية أمريكية في مناطق النفط لحمايتها، الى إعلان استمرار العمليات ضد تنظيم الدولة الاسلامية الذي أعلنت واشنطن مراراً القضاء عليه كلياً في المنطقة.

قلنا سابقاً بأن الأمريكيين سيبقون في في مناطق حقول النفط ولن يفرطوا بها بسهولة، كما أن الخلاف بين البنتاغون وترامب حول الانسحاب من سوريا كان واضح للغاية وإن كان هذا الخلاف أكبر بكثير خلف الكواليس عما ظهر عليه لوسائل الاعلام.

ولكن في النهاية تم التوصل الى اتفاق يرضي البنتاغون بالحد الأدنى وهو بقاء عدد من القوات الأمريكية في المنطقة بذريعة حماية حقول النفط.

وهنا يمكن أن يكون للبنتاغون خطوط عودة إذا ما أراد تغيير استراتيجيته في أي مرحلة ما، سواء حدثت مفاجأة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة أو حدثت متغيرات على الأرض غير محسوبة، فالمسؤولين العسكريين الأمريكيين يعتقدون بأن مفاجأة ما قد تحدث في الانتخابات الرئاسية القادمة لذلك هم يحاولون عدم التخلي عن كامل الأراضي التي كان لهم نفوذ فيها في سوريا، وبقاء بعض القوات مع قواعد محدودة يعطي خطوط عودة للبنتاغون إذا ما كان هناك تغيير في الاستراتيجية الأمريكية.

ولكن زيارة مايك بنس للعراق ولقائه القوات الأمريكية هناك وبعدها التوجه الى أربيل للقاء مسؤوليها، من دون زيارة بغداد ولا لقاء المسؤولين العراقيين وخاصة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي أعطت اشارات الى أن هذه الحكومة انتهى دورها بالنسبة للأمريكيين.

وبعدها بيوم أعلن الجنرال كينيث ماكنزي قائد القيادة المركزية الأمريكية إن من المتوقع أن يستأنف نحو 500 جندي أمريكي في شرق سوريا العمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الأيام والأسابيع المقبلة، تلك المؤشرات تشير الى تغير محوري في السياسات الأمريكية في المنطقة ككل وسوريا خاصة.

التغيرات الإقليمية في المنطقة

ربما تشعر واشنطن في مرحلة ما بأن المنطقة مقبلة على تغيرات مفصلية خاصة مع المظاهرات الحاشدة التي تضرب لبنان والعراق وانتقلت عدواها الى ايران، بالتالي في المرحلة القادمة قد نشهد اطاحة بالحكومة العراقية كما حدث في لبنان، وعندها ربما يمكن أن نتحدث عن تحجيم وانهاء للدور الايراني في هذه الدول.

كما أن ايران ليست بعيدة عن هذه التغيرات فالاحتجاجات ضربت الشارع الايراني بقوة بعد زيادة أسعار المحروقات وحتى لو تم قمع هذه الاحتجاجات في هذه المرحلة فإن الحسابات يمكن أن تتغير في المستقبل القريب، فالاقتصاد الايراني لن يستطيع الاستمرار على وضعه الحالي بالتالي سيكون هناك خياران:

الأول أن تتجه السلطة في ايران الى تقديم التنازلات لتخفيف العقوبات وهنا سيكون من ضمن شروط التفاوض هو الدور الايراني في العراق ولبنان وسوريا.

والثاني هو أن تستمر السلطة في ايران في تعنتها وعندها ستذهب الى رفع الأسعار مرة أخرى وستعود الاحتجاجات بقوة وربما تطيح بالسلطة كما حدث عام 1979، فالوضع هنا أخطر لأن التظاهرات هي اقتصادية أكثر مما هي سياسية.

وفي كلا الحالتين يفرض هذا التغير معادلات جديدة في المنطقة تحتاج من القوات الأمريكية أن تكون موجودة في سوريا وبقوة لإعادة رسم وهيكلة الدور الأمريكي في المنطقة من جديد.

هناك نقطة مهمة في كل تلك التغيرات السياسية والعسكرية في المنطقة: وهي أن الولايات المتحدة لم يكن لها أي نفوذ داخل سوريا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تقريباً ودائما كان الروس هم المنتصرين في الصراع بين القوتين حول النفوذ و التواجد في سوريا، لذلك لا أتوقع أن يتخلى الأمريكيون عن النفوذ الذي اكتسبوه سياسياً وعسكرياً في سوريا بسهولة.

فالطريق لا زالت طويلة جدا قبل الوصول الى حلول ولا أعتقد بأنها ستضمن انهاء الدور الأمريكي في بلد يعتبر من دول الطوق حول اسرائيل.