اجتماع "أوبك+" وحرب التصريحات بين الرياض وموسكو .. بين وساطة ترامب ونزاع الحصص السوقية


ناصر زهير / باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي


عادت حرب التصريحات لتستعر من جديد بين الرياض وموسكو قبل الاجتماع المرتقب لمنظمة أوبك بقيادة السعودية والمنتجين المستقلين بقيادة روسيا، فبعد تصريحات منسوبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول رفض السعودية تمديد اتفاق " أوبك+ "، وهو أحد العوامل التي تسببت بانهيار أسعار النفط، كما أشار بوتين الى سعي السعودية للتخلص من منافسيها من منتجي النفط الصخري .

وفي وقت متسارع نقلت وكالة الأنباء السعودية عن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان آل سعود قوله في ساعة مبكرة من صباح السبت إن التصريح المنسوب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن انسحاب المملكة من صفقة أوبك+ ”عار من الصحة جملة وتفصيلا ولا يمت للحقيقة بصلة وإن انسحاب المملكة من الاتفاق غير صحيح بل أن روسيا هي من خرجت من الاتفاق“.ونقلت الوكالة عن الأمير فيصل قوله إن ”موقف المملكة من إنتاج البترول الصخري معروف وأنه جزء مهم من مصادر الطاقة“.

كما كانت هناك مناكفات بين وزيري الطاقة السعودي عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز و والروسي الكسندر نوفاك، حيث أكد الوزير السعودي نفيه يوم السبت ما ورد في تصريح لوزير الطاقة الروسي يوم الجمعة وجاء فيه رفض المملكة العربية السعودية تمديد اتفاق أوبك+ وانسحابها منه.

وقال الأمير عبد العزيز في بيان إن ”وزير الطاقة الروسي هو المبادر في الخروج للإعلام والتصريح بأن الدول في حل من التزاماتها اعتباراً من الأول من إبريل، مما أدى إلى زيادة الدول في إنتاجها لمقابلة انخفاض الأسعار لتعويض النقص في الإيرادات“.

وفي خضم هذه التصريحات والاتهامات المتبادلة قالت مصادر في أوبك بأن الاجتماع الذي كان من المزمع عقده يوم الأثنين سيتم تأجيله الى الثامن أو التاسع من شهر أبريل، أي بعد يوم أو يومين من الموعد المقرر لإفساح الوقت أكثر أمام المنتجين للتفاوض حول الخفض المتوقع للإمدادات النفطية ومن هي الدول التي يمكن أن تنضم لهذا التحالف الجديد.

هذه التصريحات المتبادلة والتي تبدو سلبية في مضمونها هي في الحقيقة إيجابية نوعا ما فإن كان هناك أي اتجاه لتحقيق اتفاق دائم يعطي الاستقرار لأسواق النفط، فلا بد في البداية من حل كافة الخلافات السابقة و وليس فرض هدنة لحرب الأسعار قد تعود للاندلاع في أي وقت قريب .

ويبدو أن روسيا تحاول اللعب على وتر تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سعى الى وساطة بين موسكو والرياض حول إنهاء حرب الأسعار، و يحاول الروس تحويل الأمر من نزاع على الحصص النفطية السوقية الى نزاع بين السعودية ومنافسيها من منتجي النفط الصخري، وهذا الأمر ليس صحيح بالمطلق .

فإذا عدنا الى كواليس و وقائع انهيار اتفاق " أوبك+ " فسنرى بأن روسيا هي من رفضت الخفض الذي اقترحته أوبك لمواجهة تراجع الطلب العالمي نتيجة جائحة كورونا

وبالتالي فإن الاتفاق هو الخيار الوحيد بين الجانبين الروسي والسعودي لتحقيق الاستقرار في أسعار النفط ورفعها للحد الأدنى الذي تتطلبه الأسواق العالمية للنفط، فالأسعار الحالية حول 25 دولار للبرميل غير مقبولة لدول تزيد تكلفة انتاج البرميل فيها عن السعر الحالي كما فنزويلا والجزائر وليبيا وكندا والولايات المتحدة .

كما أن حرب النفط لن يكون فيها أي رابح، فهي حرب بين جانبين ستكون نتيجتها " خاسر-خاسر ".

فروسيا التي تصرح بأنها تحتمل هذه الأسعار إلى 5 أو 6 سنوات تعرف جيداً بأن ميزانيتها لن تحتمل هذا التراجع الحاد في الأسواق في ظل الركود الاقتصادي الذي يضرب العالم بسبب كورونا، كما أن مبيعات الأسلحة التي تعتمد عليها روسيا بشكل كبير ستتوقف إلى أجل ليس بقريب، فدول العالم ستكون مشغولة بتعويض خسائرها الاقتصادية أكثر من شراء الأسلحة وتعزيز ترساناتها العسكرية .


وبالنسبة للسعودية فإن الأمر لا يختلف كثيرا فمع تراجع الأسعار الحالية إلى ما يقارب 25 دولار فإن الاقتصاد السعودي سيتأثر بشكل كبير، خاصة مع الخطط لتحويل اقتصاد البلاد من اقتصاد يعتمد على الواردات النفطية بنسبة كبيرة إلى اقتصاد متنوع ينهي اعتماد الدولة على النفط والطاقة. وهي خطة طموحة تحتاج إلى الكثير من العمل والجهد والأهم استقرار في الموارد النفطية في الأعوام العشرة القادمة .


شركات النفط الصخري الأمريكي بين المطرقة السعودية والسندان الروسي …


المتضرر الأكبر من هذه الحرب النفطية بين السعودية وروسيا هي شركات النفط الصخري الأمريكي التي توقفت عن الإنتاج بنسبة كبيرة، فتكلفة انتاج البرميل الواحد من النفط الصخري تزيد عن 35 دولار، وبالتالي فإن استمرار العمل في الوقت الحالي يُعتبر مستحيل بالنسبة لهذه الشركات والتي أصبحت مهددة بالإفلاس .


وتوقف هذه الشركات بشكل أو بأخر يعتبر ضربة للرئيس الأمريكي ترامب والذي تفاخر أكثر من مرة بأن الولايات المتحدة أصبحت من كبار منتجي النفط وبأنها لم تعد تعتمد على الواردات النفطية ويمكنها التصدير أيضاً، وفي ظل الأوضاع الحالية يبدو أن النفط الأمريكي مدعاة الفخر للرئيس الأمريكي مهدد بالتوقف .

والمشكلة الحقيقية هنا بالنسبة لترامب هي افلاس هذه الشركات وليس توقفها فقط، فهناك فرق بين توقف الشركات عن الإنتاج وبين إفلاسها الذي يعيق إعادة الإنتاج عندما ترتفع الأسعار .

وهذا مادفع ترامب الى التوسط بين السعودية وروسيا لإنهاء حرب الأسعار بينهما، وقال بمرارة " لم أكن أتخيل أن أقول ذلك يوما ولكن نحن بحاجة إلى رفع أسعار النفط "، كما سيعقد ترامب اجتماع مع الشركات الأمريكية لطمأنتها حول مستقبلها في سوق النفط العالمي .

النقطة الفارقة هنا هي تهديد ترامب باستخدام سلاح الرسوم الجمركية ضد منتجي النفط وهو سلاح فعال استخدمه ترامب في السابق ضد الصين وأتى بنتائج جيدة بالنسبة له على الرغم من خطورة البدء بحرب الرسوم الجمركية ولكنه فعلها .


وقال ترامب في إحاطة إعلامية بواشنطن: "الرسوم تدر الكثير من المال على بلدنا، نحن فرضناها على الصين ودول أخرى، ودول أخرى فرضتها علينا ".

وتابع قائلا: "هل سأفعل هذا من أجل النفط؟ نعم أستطيع، لكن هل سأفعل ذلك الآن؟ لا. أفكر بفرضها؟ لا. ولكن إذا تمت معاملتنا بطريقة غير نزيهة، فمن الواضح أن هذه أداة في ترسانتنا".

بالتالي وبناء على كل المعطيات السابقة فأن الاتفاق على خفض كبير في أسعار النفط بين السعودية وروسيا وحلفائهما في أوبك والمنتجين المستقلين هو الخيار الوحيد وإلا فإن القادم سيكون أسوأ، وقد تتجه حرب الأسعار والحصص النفطية إلى مسارات أخرى لم تكن في الحسبان.


وفعلياً العالم اليوم يحتاج الى رفع الأسعار الى مستوى 40 الى 45 دولار للبرميل على أقل تقدير حتى تستطيع الدول التي تعتمد على النفط مواجهة جائحة كورونا وتأثيراتها الاقتصادية المدمرة، فمع الخطة التي وضعتها مجموعة العشرين G20 بقيمة 5000 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد العالمي من تداعيات كورونا فأن العمل مطلوب أيضا على فرض الاستقرار في أسعار النفط وضمان واردات نفطية عادلة لكل الدول الأعضاء في أوبك والمنتجين المستقلين .