الاجتماع الأوروبي التركي في بروكسل .. خلافات كبيرة واتجاه لحشد الدعم وتنسيق المواقف في سوريا


ناصر زهير / باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

يجري اليوم اجتماع مهم في بروكسل بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان و رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وهذا الاجتماع يعتبر مفصلي في هذه المرحلة بعد خلافات كبيرة شهدتها العلاقات الأوروبية التركية .

الملف المعلن هو بحث مسألة الهجرة بعد أن أعلنت تركيا تخليها عن التزاماتها باتفاق 2016 حول الهجرة، متهمة الأوروبيين بأنهم لم يلتزموا بمسؤولياتهم في هذا الاتفاق، بينما يتهم الأوروبيون من جهتهم أنقرة بأنها تستخدم ورقة اللاجئين لممارسة ابتزاز سياسي ضد دول التكتل الأوروبي.

ولكن الملف الأهم الذي سيتم مناقشته باعتقادي هو تنسيق المواقف في سوريا و كسب الدعم الأوروبي للعمليات العسكرية التركية هناك، والدفع أيضاً نحو إنشاء المناطق الآمنة لاستيعاب النازحين ومنع موجة لجوء جديدة ستكون نتائجها سيئة على الطرفين.

فالمسؤولين الأتراك يعرفون جيدا بأن الاتفاق الذي تم إبرامه مع روسيا واعتبر بروتوكول مكمل لاتفاق سوتشي لن يكون سوى هدنة مؤقتة قد تمتد لأشهر قليلة وبعدها ستعيد روسيا وقوات النظام هجومهم على ادلب و الشمال السوري.

أيضا مسؤولي الاتحاد الأوروبي اختبروا هذه الاتفاقات وفاعليتها في السابق ويدركون جيداً بأن وقف إطلاق النار سينهار قريباً .


وبالتالي سيحاول الجانبين تنسيق مواقفهم استعدادا لأي انهيار محتمل لوقف اطلاق النار وعودة العمليات العسكرية في شمال سوريا، وترغب تركيا بالحصول على دعم الدول الأوروبية في مواجهتها مع روسيا واستخدام أوراق الضغط التي تمتلكها بروكسل لمنع موسكو من التحرك عسكرياً في المستقبل القريب .

الموقف الأوروبي ..


بالنسبة للأوروبيين كان موقفهم واضحا منذ البداية في الصراع بين روسيا وتركيا، فهم يحاولون العمل على تقديم الدعم السياسي وإن كان بالحد الأدنى لتركيا عبر التصريحات والتحركات الدبلوماسية وأخيراً التلويح بأوراق الضغط في وجه موسكو كالعقوبات الاقتصادية التي ذكرتها وزيرة الدفاع الألمانية و الدفع بإنشاء مناطق آمنة تحت حماية الناتو والأوروبيين.

ولكن الأوروبيون لا يخفون انزعاجهم من أنقرة وسياسة التنسيق المنفرد مع روسيا وعقد الاتفاقات بعيداً عن حلفائها في الناتو، وعدم التنسيق معهم في معظم تحركاتها السياسية والعسكرية، وكان لإلغاء القمة الرباعية بين "موسكو وفرنسا و ألمانيا وتركيا" واستبدالها بقمة ثنائية "تركية روسية" أثر سيئ على الموقف الأوروبي حتى و إن أبدى الأوروبيون دعمهم للاتفاق الروسي التركي لوقف إطلاق النار .

وبالتالي فإن الأوروبيين يريدون من أنقرة أن تحدد خياراتها في التعامل معهم بشأن الملف السوري، فإما التنسيق الدائم أو غياب التنسيق تماماً وترك أنقرة وحيدة في مواجهة الروس هناك، وهو خيار لا ترغب به لا تركيا ولا الدول الأوروبية، ولكن أنقرة تحاول الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو، كما أن العلاقات التركية الأوروبية تشوبها الكثير من الخلافات في الفترة الأخيرة وأبرزها قضية التنقيب عن الغاز قرب قبرص والاتفاق التركي مع حكومة الوفاق الليبية حول ترسيم الحدود البحرية.


ولذلك يريد المسؤولين الأوروبيون عبر هذا الاجتماع تحديد الخطوط العريضة للعلاقات التركية الأوروبية في الفترة القادمة، وربما سيحاولون فصل القضية السورية عن الملفات الخلافية الأخرى، فتنسيق المواقف فيما بينهم بخصوص سوريا سيكون مفيد للجانبين خاصة في ملف الهجرة واللجوء .


ولا أعتقد بأن الأوروبيون تخلوا عن تركيا في المواجهة الأخيرة مع روسيا، بل على العكس رأينا للمرة الأولى تصريحات أوروبية حول استخدام أوراق الضغط على موسكو ومنها العقوبات الاقتصادية لإجبارها على وقف هجومها على ادلب كما صرحت وزيرة الدفاع الألمانية وأيضا دعم إنشاء مناطق آمنة تحت الحماية الدولية.


وطالبت هولندا بفرض حظر جوي فوق ادلب لمنع استهداف المدنيين، وهذه المواقف والتصريحات كان من الممكن أن تُترجم الى عمل على الأرض لو أن تركيا أصرت على اقحام الأوروبيين في الاجتماعات الأخيرة مع روسيا وعقد القمة الرباعية ووضع موسكو في مواجهة مع تركيا والدول الأوروبية وأيضا الموقف الأمريكي كان داعماً لأنقرة في تلك التحركات وإن كان يطلب التفاهم حول الs400 قبل الدفع نحو تزويد تركيا بالباتريوت .

ملف الهجرة …


يعتبر ملف الهجرة هو القضية الأبرز الأن في الخلافات الأوروبية التركية بعد أن فتحت تركيا حدودها مع اليونان وسمحت بتدفق عشرات الألاف من اللاجئين، ولكن مسؤولي الاتحاد الأوروبي يبدون استيائهم الكبير من سياسة الأبواب المفتوحة التي اتبعتها تركيا، خاصة وأن الأرقام الواردة من الحدود اليونانية تقول بأن السوريين لا يشكلون سوى 25٪ من أعداد اللاجئين الموجودين على الحدود مع تركيا .

أيضا تركيا لديها مواقفها وتقول بأنها لم تعد قادرة على استيعاب الضغط الناتج عن تدفق اللاجئين من سوريا وتريد دعم أكبر من دول الاتحاد الأوروبي واعتبار أن مشكلة اللاجئين هي مشكلة دولية لا تخص تركيا لوحدها، وعلى الأوروبيين أن يتحملوا مسؤولياتهم .


ولكن في النهاية يفهم الجانبين بأن فتح الحدود كان ورقة ضغط سياسي ليس أكثر وكانت هناك توجيهات تركية لخفر السواحل بمنع عبور اللاجئين عبر بحر إيجة الذي يعتبر الطريق الأخطر نحو الجزر اليونانية .



إمكانية الاتفاق بين الجانبين …


عملياً هناك قابلية لعقد اتفاق سريع بين الجانبين يضمن زيادة الدعم المالي لتركيا كما صرح المسؤولين الأوروبيين الكبار في وقت سابق لضمان التزامها باتفاق الهجرة الموقع عام 2016، ولكن الأوروبيون أيضا لن يقبلوا بسياسة الابتزاز كما يقولون لذلك سيحتاجون إلى التفاهم مع أنقرة على مجمل القضايا الخلافية وضمان التنسيق فيما بينهم على الأقل في الملف السوري وفصله عن القضايا الخلافية الأخرى بين الجانبين .


ولكن الاتفاقات وتقديم الدعم لتركيا يحتاج إلى الكثير من العمل من قبل الجانبين والالتزام بخطوط عريضة تكون ضامنة لتنسيق الدعم والتحركات السياسية والدبلوماسية فيما بينهم والعمل على ضم الولايات المتحدة لهذا التحالف في ايجاد حل نهائي للقضية السورية.