بعد اقتحام الكونغرس وفوضى ترمب.. ماهو مستقبل الشعبوية القومية في أوروبا "بين فرص التقويض والتمدد"


تقدير موقف | ملف اليمين الشعبوي في أوروبا

باريس 9 ديسمبر 2021 : لا زالت التوترات تتوالى في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث العنف الأخيرة التي ضربت العاصمة الأمريكية واشنطن واقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي من قبل أنصار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب في محاولة لتعطيل جلسة إقرار نتائج الانتخابات الرئاسية التي اتهمها ترمب بأنها مزورة .


ولا شك بأن هذه الأحداث ستترك أثرها في صورة الولايات المتحدة كمهد للديمقراطية الغربية المتحضرة في العهد الحديث وعلى الرغم من فشل محاولات تعطيل جلسات الكونغرس والسيطرة على الموقف إلا أن هذه الأحداث تسببت في صدمة في الديمقراطيات الغربية وخاصة في أوروبا مما قد يحدث مستقبلا إذا ما وصل مرشح شعبوي الى سدة الرئاسة في أحد هذه البلدان المرشحة لتصاعد اليمين الشعبوي و وصوله الى الرئاسة مثل فرنسا على سبيل المثال.

وكما كان وصول ترمب علامة فارقة وداعمة لليمين الشعبوي في أوروبا يبدو بأن خروجه سيكون علامة فارقة أيضا ليهز الصورة الجديدة التي حاول ترمب زرعها لدى الناخبين الغربيين الذين يؤمنون بالشعار الذي رفعه دائما " أمريكا أولاً "، وبناء عليه قام بضرب تحالفات واشنطن الخارجية وخاصة التحالف الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي مع الأوروبيين، كما تراجع دور المؤسسات الدولية في عهد ترمب بشكل كبير وخطير للغاية في ولايته المنتهية .


بن رودس، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما،بدا متشاؤما للغاية، إذ جاء في تصريحات أدلى بها لوكالة فرانس برس "هذه الصور ستغير بشكل دائم تصور العالم للولايات المتحدة. مع الأسف جاء هذا الانتقاص للديمقراطية في وقت تتقدم فيه الشعبوية القومية في كافة أنحاء العالم".

وهذا ما يعكس مخاوف حقيقية لدى المسؤولين الأمريكيين من اهتزاز صورة الديمقراطية الأمريكية حول العالم وربما ستخسر واشنطن السيف الذي تشهره أمام الجميع حول ضرورة احترام الديمقراطيات وضمان التداول السلمي للسلطة .

وقد تبدو المؤسسات الأمريكية خرجب منتصرة في هذه الجولة فعلى الرغم من كل ما حدث ولكن في النهاية تمت السيطرة على الموقف وتم عقد جلسات الكونغرس وإقرار نتائج الانتخابات الرئاسية وإجبار ترمب بشكل أو بأخر على تعديل موقفه وموافقته على ضمان انتقال سلمي للسلطة في 20 يناير القادم .

ـ ضرب لصورة الشعبوية القومية حول العالم ..


وعلى الرغم من كل الصور السيئة التي تركتها هذه الأحداث والتي كان فيها ترمب عامل محرك ومحرض على العنف إلا أنها ستكون ايجابية للغاية في التأثير على الحركة الشعبوية بشكل سلبي حول العالم .

ومثل هذه الأحداث ستدفع الكثير من الناخبين الأوروبيين للتفكير جيدا وإعادة حساباتهم قبل التصويت لأي من مرشحي اليمين الشعبوي في أوروبا والمرشحين بقوة للوصول الى السلطة في بعض البلدان وخصوصا فرنسا التي أشار استطلاع مهم للرأي فيها بأن ثمانية من كل 10 ناخبين سيصوتون لمارين لوبان في الانتخابات الرءاسية القادمة .


وعلى الرغم من أن نتيجة استطلاع الرأي هذه كانت عاطفية للغاية بسبب حالة الغضب المتصاعد من قبل الفرنسيين بسبب الأزمات الداخلية التي تعيشها فرنسا بالإضافة ما يعتبرونه فشل للحكومة الفرنسية في التعامل مع التأثيرات الاقتصادية الكارثية لفيروس كورونا .

وسيكون الدافع للناخبين الأوروبيين في إعادة حساباتهم هو الخشية من حالة الفوضى التي قد يتسبب بها وصول مرشحين للشعبويين القوميين الى مراكز صنع القرار في الدول الأوروبية، فالمؤسسات الأوروبية ليست قوية بما فيه الكفاية للتعامل مع مثل هذه الفرضى في حال حدوثها، وربما تسقط في الامتحان الذي خاضته المؤسسات الأمريكية ونجحت فيه مؤقتاً .


وقال الدكتور خطار أبو دياب أستاذ العلاقات الدولية في باريس في تصريحات لمركز جنيف للدراسات بأن ما حدث في واشنطن من فوضى في الأيام الأخيرة سيساهم في تراجع اليمين الشعبوي في أوروبا بشكل أو بأخر، وأشار الدكتور أبو دياب الى نقطة مهمة وهي غياب التضامن من الأحزاب الشعبوية الأوروبية مع ترمب في الأحداث الأخيرة .


ولكن أشار الدكتور خطار أبودياب الى نقطة مهمة وهي الخطر على الديمقراطية في المستقبل " فتصويت أكثر من 70 مليون ناخب أمريكي لشخصية مثل دونالد ترمب يعكس عامل قلق على مسار الديمقراطيات في العالم " .

-انتهى التصريح-

وفي المجمل يبدو بأن شعار " ليس حبا في بايدن ولكن كرهاً في ترمب " الذي عمل به معظم الناخبين الأمريكيين سيسقط من حساابات نظرائهم الأوروبيين .


فحالة الفوضى التي أحدثها ترمب في أيامه الأخيرة قد تكون حالة عامة في أي بلد أوروبي يصل اليه رئيس مشابه للشخصية الترمبية التي سكنت البيت الأبيض في السنوات الأربعة الأخيرة، وبالتالي فإن الحسابات ستكون مختلفة ودقيقة للغاية للناخبين الأوروبيين في أي انتخابات قادمة، والصورة الوردية التي كان يتم العمل عليها حول ضرورة التغيير واعطاء فرصة لليمين الشعبوي قد اهتزت بشكل كبير للغاية في الأحداث الأخيرة، فلا يريد أحد المغامرة في رؤية أي رئيس أوروبي يدعوا مؤيديه لاقتحام المؤسسات الديمقراطية لمنع تنصيب منافسه ،

ـ خسارة أصوات الناخبين المصوتين للاقتصاد ..


ويرى ناصر زهير مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في مركز جنيف للدراسات بأن أهم العوامل التي دفعت نسبة كبيرة من الأمريكيين للتصويت لترمب في انتخابات الولاية الثانية هو إيمانهم بنجاح الخطط الاقتصادية الداخلية التي كان يقوم بها داخل الولايات المتحدة، وللأمانة فقد نجح ترمب بالوصول الى الاقتصاد الأمريكي الى أفضل حال ممكن قبل جائحة كورونا، فالأسهم الأمريكية كانت في أعلى القمم التاريخية ونسبة البطالة وصلت الى أرقام متدنية غير مسبوقة بالإضافة الى خفض الضرائب وخلف الوظائف وهو ما يهم الناخب الأمريكي أكثر من الأخطاء في السياسة الخارجية التي كان يقوم بها ترمب .


ولكن حالة الفوضى التي تسبب بها ترمب والتي كان من الممكن في حال تطورها أن تتسبب بكارثة للاقتصاد الأمريكي ستدفع هذه الفئة من الناخبين لإعادة حساباتهم والتفكير جيدا قبل التصويت للخطط الاقتصادية فقط، فالاقتصاد أكثر ما يخشاه هو الضبابية السياسية التي قد تدمر كل تقدم ونمو اقتصادي تم تحقيقه في سنوات .


ويجب على المرشحين الرئاسيين من الأحزاب السياسية العريقة إعطاء أهمية كبيرة لناخبي ومصوتي الاقتصاد فهؤلاء سيكونون النسبة الأكبر والأهم من الكتل الانتخابية في المستقبل القريب .

وفي النهاية تبدو الفرصة مناسبة جدا لاستغلال أحداث الكابيتول واقتحام الكونغرس الأمريكي لتحجيم اليمين الشعبوي القومي في أوروبا وتقييده إذا ما نجحت الأحزاب السياسية الأوروبية الكبرى في التعامل بشكل صحيح مع الموقف والدفع بالناخبين الأوروبيين لإعادة حساباتهم في تحديد توجهاتهم الانتخابية .

فخطر اليمين الشعبوي لا يزال قائما وكما كانت هذه الأحداث عامل سلبي في ضرب صورة التوجه الشعبوي القومي، يمكن أن تكون نفس الأحداث عامل تقوية وتشجيع للشعبويين الأوروبيين للتقدم خطوات الى الأمام وضرب النظم الديمقراطية إذا لم يتم التعامل بشكل صحيح مع الموقف من قبل الزحزاب والمؤسسات الديمقراطية الأوروبية

وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف اليمين الشعبوي في أوروبا

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org