الخليج العربي وتغير التحالفات الاستراتيجية.. فرنسا وبريطانيا وفرص كبرى تلوح في الأفق الدبلوماسية


تحليل السياسات الخارجية | مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

بقلم ناصر زهير باريس 28 فبراير 2021: قبل أيام اختتمت القمة الأوروبية الاستثنائية التي عقدت في بروكسل والتي أكدت تثبيت التوجه الأوروبي الجديد حول استقلالية دفاعية وسياسية أوروبية بعيدا عن مصالح الولايات المتحدة والظل الأمريكي الذي بقيت تحته القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية .


وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فو دير لاين "علينا الحد من تبعيتنا وتنويع امداداتنا وهذا لا ينطبق فقط على القدرات العسكرية".


بالإضافة الى تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون السابقة حول ضرورة بناء أوروبا قوية تعتمد على الاستقلالية المتكاملة في السياسات الدفاعية ومبدأ المصالح في العلاقات الخارجية، و تحمل فرنسا مشروع طموح في بناء الجيش الأوروبي الموحد أو اللجوء الى استراتيجية المظلة النووية الفرنسية الأوروبية المشتركة لتأمين أوروبا بعيدا عن الدور الأمريكي ودور حلف الناتو الذي تعتبره فرنسا وكثير من السياسيين الفرنسيين بأنه بلا فائدة حقيقية لأوروبا .

ومن هذا المنطلق ومن التوجه الفرنسي الألماني في بناء أوروبا جديدة وقوية فإن على قطبي القيادة الأوروبية التحرك سريعا واستغلال الفرص التي تلوح في الأفق في الشرق الأوسط والخليج العربي .

فالإدارة الأمريكية الجديدة يبدو بأنها ستكون في صدام مع حلفائها في دول الخليج العربي أكثر مما كانت عليه إدارة أوباما، وعلى غرار الشرخ الذي أحدثه ترمب في العلاقة بين ضفتي الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة، يبدو بأن بايدن سيقوم بإحداث شرخ أكبر وأكثر عمقا في التحالف الأمريكي مع الحلفاء في دول الخليج العربي .


ومن حيث المؤشرات الحالية بما يتعلق بالتعامل مع إيران أو الضغط على دول المنطقة وأبرزها المملكة العربية السعودية فإن هذه الدول ستتجه نحو تغيير تحالفاتها الاستراتيجية بعيدة المدى، وعلى أقل احتمال تنويع هذه التحالفات وإدخال لاعبين دوليين جدد الى المنطقة يكونون طرف يحدث توازن مع الدور الأمريكي الذي يشهد شد وجذب في العلاقات الثنائية مع دول المنطة ومبدأ التحالف الاستراتيجي .



ـ فرنسا وألمانيا وبريطانيا والفرص الذهبية في الشرق الأوسط


ومن خلال المؤشرات الأولية فإن دول المنطقة ستتجه الى تنويع هذه التحالفات الاستراتيجية بشكل قطعي في السنوات الخمس القادمة وسيكون هناك العديد من المرشحين للعب هذا الدور الاستراتيجي المهم في منطقة تعتبر الأهم في العالم في مصادر الطاقة والموقع الاستراتيجي .


ومن خلال موازين القوى الدولية فلا يوجد دولة في العالم تستطيع إحداث هذا الدور الموازن للدور الأمريكي في المنطقة، وكل طرف دولي له حساباته في التحالفات سواء في الربح أو الخسارة، وحتى دول المنطقة لن تغامر بالدخول من جديد في تحالف كامل واستراتيجي مع دولة واحدة مهما كانت قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وبالتالي سيكون الخيار الأبرز هو الاعتماد على تحالفات متنوعة ومتوازنة مع أكثر من طرف دولي سواء كان من الغرب أو الشرق .


وتبرز في هذه المعادلة 4 دول مهمة بين الشرق والغرب وهي " فرنسا وبريطانيا و روسيا والصين "، وجميع هذه الدول تمتلك العوامل الأساسية المهمة لأي تحالف استراتيجي في المنطقة " قوة عسكرية نووية - مقعد دائم في مجلس الأمن مع الفيتو - قوة اقتصادية دولية كبرى - نفوذ سياسي واقتصادي " وهذه العناصر متوفرة لدى الأطراف الدولية الأربعة المرشحة للدخول بقوة في هذه التحالفات الاستراتيجية البعيدة المدى المتوقعة في منطقة الشرق الأوسط والخليج .

كما تبرز ألمانيا على الخارطة السياسية والاقتصادية الدولية كقوة صاعدة يمكن الاعتماد على التحالف معها ولكن بشكل محدود نظرا لافتقادها لعنصرين مهمين في التحالفات بعيدة المدى وهما " القوة العسكرية النووية ومقعد دائم وفيتو في مجلس الأمن "، ولكنها تبقى قوة اقتصادية دولية كبرى يمكن الاعتماد عليها بشكل كبير .


ويمكن أن نطلق على هذه المجموعة نادي " 4+1 " كقوى دولية كبرى مرشحة للعب دور محوري في التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية القادمة في الشرق الأوسط .

ـ فرنسا و ألمانيا وبناء أوروبا الجديدة


تتجه كل من فرنسا وألمانيا لبناء أوروبا جديدة بعد البريكست البريطاني والتغيرات في العلاقة الأوروبية الأمريكية، وحاول جو بايدن العودة بالعلاقات بين الجانبين الى ما قبل فترة ترمب وإبقاء الأوروبيين تحت العباءة الأمريكية ولكنه فشل في ذلك وهذا ما أكدت عليه مؤشرات القمة الأوروبية يوم الجمعة الماضي في بروكسل .


وإذا ما أرادت فرنسا وألمانيا بناء أوروبا القوية فإنهم بحاجة ماسة الى تحالفات اقتصادية قوية أولا ومن ثم تحالفات استراتيجية بعيدة المدى بما يخص أمن الطاقة الذي يعتبر حيوي جدا لأوروبا نظرا لعدم امتلاكها لموارد النفط والغاز على عكس روسيا والولايات المتحدة، بالإضافة الى فتح أسواق جديدة لصادرات الأسلحة والسلع الاستراتيجية الأوروبية المهمة، وهذه العوامل تدفع بباريس وبرلين للتوجه نحو منطقة الخليج والشرق الأوسط لبناء هذه التحالفات البعيدة المدى .


وكسبت الأطراف الأوروبية نقطة مهمة عندما أعلنت كل من باريس وبرلين ضرورة وحتمية المفاوضات حول سياسات إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار وبرنامجها للصواريخ البالستية، على عكس إدارة بايدن التي طرحت العودة للاتفاق النووي مباشرة إذا عادت إيران والتزمت أولا، وهذا ما لا يرضي الحلفاء في منطقة الخليج العربي .


كما أن فرنسا تمتلك علاقات تعتبر جيدة جدا في منطقة الخليج على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي ويمكنها البدء سريعا بتعزيز هذه العلاقات وتحويلها الى تحالفات استراتيجية بعيدة المدى على كافة المستويات، كما يشكل تواجد القوة العسكرية الأوروبية المشتركة في المنطقة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز منطلق مهم وقوي لتعزيز القوة العسكرية الأوروبية في منطقة الخليج وبناء قواعد عسكرية بالشراكة مع الحلفاء في المنطقة لتأمين والدفاع عن المصالح المشتركة .


وتكاد تمتلك المجموعة الأوروبية بقيادة فرنسا وألمانيا حظوظ كبيرة للحصول على حصة الأسد من التحالفات الاستراتيجية القادمة في منطقة الشرق الأوسط والخليج نظرا لامتلاكهم كافة المقومات ليكونوا شريك سياسي واقتصادي وعسكري موثوق به .

ويبدو بأن هناك حاجة ملحة الأن لوزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان والألماني هايكو ماس لحزم حقائبهما والتوجه نحو منطقة الخليج العربي بأسرع وقت ممكن للبدء بالتواصل الدبلوماسي نحو بدء هذه التحالفات لااستراتيجية بعيدة المدى تمهيداً لتحركات أكبر يقوم بها كل من الإليزيه في باريس ومقر المستشارية في برلين .


وبالتأكيد لن تكون المهمة سهلة أمام الأطراف الأوروبية للدخول في هذه التحالفات في منطقة تعتبر منطقة تحالف استراتيجي تاريخي للولايات المتحدة الأمريكية ولكن من خلال قراءة تاريخ التحالفات الدولية فإن الثوابت متغيرة في مبدأ التحالفات .


فمن كان يعتقد بأن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات سيستطيع نقل مصر من الارتباط والتحالف التاريخي مع الاتحاد السوفيتي لتغير توجهها 180 درجة نحو المعسكر الغربي، وبالتالي فإن الفرصة تبدو متاحة وبشدة في هذا التوقيت ولكنها تحتاج الى الخطوات الأولى من الدبلوماسية الفرنسية والألمانية .

ـ بريطانيا والعودة الى الساحة الدولية بشكل مستقل


تشكل بريطانيا عامل مهم جدا في بوصلة التحالفات الجديدة القادمة في المنطقة، فبعد خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي تبرز الحاجة لبناء تحالفات جديدة لبريطانيا تضمن عودتها الى الساحة الدولية بشكل قوي بما يضمن قوة النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في المرحلة القادمة .


وتعتبر منطقة الخليج العربي امتداد لنفوذ بريطاني سياسي وعسكري كان في تحالف قوي للغاية قبل دخول الولايات المتحدة على الخط وتغيير استراتيجية النفوذ والتحالفات، وعلى الرغم من تراجع الدور البريطاني إلا أن لندن لا زالت تمتلك علاقات قوية وعميقة للغاية مع كل دول الخليج العربي، ويمكنها العمل سريعا على تقوية هذه العلاقات وتنميتها خاصة وأن لندن تحتاج الى شركاء اقتصاديين مهمين في المرحلة القادمة .


ويمكن اعتبار استراتيجية تنويع التحالفات والشراكات الاستراتيجية سياسيا وعسكريا واقتصاديا باتت ضرورة ملحة بعد جائحة كوورونا والتقلبات في السياسات الأمريكية من إدارة لأخرى، وبالأخص بأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت شريك استراتيجي غير موثوق به، أثبتت ذلك إدارة أوباما عندما عقدت الاتفاق النووي مع إيران بدون التشاور وموافقة حلفائها في منطقة الخليج العربي، وأكدت مبدأ عدم الثقة إدارة ترمب التي تعاملت مع الشركاء الأوروبيين على أنهم منافسين وأعداء في أكثر من مناسبة .


وتعتبر هذه النقاط منطقة التقاء في المصالح بين الدول الأوروبية وبريطانيا من جهة وبين دول الشرق الأوسط والخليج العربي من جهة أخرى، ولا يمكن تفويت هذه الفرصة الكبرى من قبل فرنسا وألمانيا وبريطانيا فقد لا تكون الفرصة سانحة مرة أخرى على الساحة الدولية لعقد مثل هذه التحالفات الاستراتيجية المهمة .

كما أن اللاعبين الدوليين الأخرين مثل روسيا والصين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه الفرص ويمكنهم التحرك بشكل سريع للدخول الى منطقة تعتبر بمثابة كنز استراتيجي على المستوى السياسي والاقتصادي إذا ما استطاعوا الدخول اليها .

ولا يمكن للدبلوماسية الأوروبية أن تبقى متراجعة الى الخلف في ظل التغيرات الدولية وإعادة تشكل التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية وإلا فإن أوروبا ستبقى متراجعة بخطوات كبيرة عن القوى العالمية الكبرى، وهذه الفرصة هي الأكبر لكل من فرنسا وبريطانيا في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي .

الخليج العربي وتغير التحالفات الاستراتيج
.
Download • 2.12MB

ناصر زهير | مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org