الملف الإيراني بعد المواجهة في مجلس الأمن ..تصعيد أمريكي مرتقب وتردد أوروبي ومبادرة روسية مهمة


ناصر زهير / مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

فشلت الولايات المتحدة في تمديد قرار مجلس الأمن بحظر الأسلحة على ايران، وفي نتيجة بدت تفاصيلها مفاجئة للأوساط الدبلوماسية العالمية اعترضت كل من روسيا والصين على مشروع القرار الأمريكي بينما امتنعت 11 دولة عن التصويت وأهمها الدول الأوروبية الثلاث " فرنسا وألمانيا وبريطانيا " وهي أطراف أسياسية بالاتفاق النووي .


كان من الممكن أن يكون موقف روسيا والصين مفاجئا بالاعتراض واستخدام الفيتو لو أن الدول الأوروبية الثلاث كانت موافقة على مشروع القرار الأمريكي ولكن طالما أن الدول الخمسة المعنية بالاتفاق النووي صوتت بالرفض أو امتنعت عن التصويت فيبدو بأن هناك تأكيدات لدى هذه الدول بأن هذا القرار سيكون الرد عليه من قبل ايران الانسحاب بشكل كامل من الاتفاق النووي أو اتخاذ خطوات بزيادة تخصيب اليورانيوم بنسب كبيرة تفوق ال 20٪ وهذا ما سيعني انهيار الاتفاق النووي بشكل كامل وهذا ما لا تريده الدول الأوروبية وروسيا على الأقل .


فالدول الأوروبية لديها ما يكفي من الأزمات سواء داخليا أو في شرق المتوسط ولا تريد الدخول في دوامة أزمة جديدة قد تجبرها على اتخاذ خيارات صعبة، كما أن روسيا التي لا ترغب برؤية ايران نووية بالقرب منها، لا تريد للاتفاق النووي أن ينهار بشكل نهائي وهذا ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الدعوة لعقد قمة سباعية من الأطراف المعنية في الاتفاق النووي في مجلس الأمن .


آليات الرد الأمريكي ..


يمكن للولايات المتحدة الآن تنفيذ تهديد بإعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران باستخدام بند في الاتفاق النووي، رغم انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق في عام 2018. ويقول دبلوماسيون إن الولايات المتحدة قد تفعل ذلك هذا الأسبوع ولكنها ستواجه معركة شرسة.

وقالت كيلي كرافت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في بيان إن ”الولايات المتحدة ستنفذ خلال الأيام المقبلة وعدا ببذل كل ما في وسعها لتمديد حظر السلاح“.


وقال دبلوماسيون إن مثل هذه الخطوة ستعرض الاتفاق النووي الهش لخطر أكبر لأن إيران ستفقد حافزا رئيسيا للحد من أنشطتها النووية. وخرقت إيران بالفعل بنودا في الاتفاق النووي ردا على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وفرض عقوبات أحادية.

وحذر مجيد تخت روانجي سفير إيران لدى الأمم المتحدة الولايات المتحدة من اللجوء لإعادة فرض العقوبات.


وبالتالي فإن خطر التصعيد لا زال قائما ولن يزول بإفشال قرار تمديد حظر الأسلحة في مجلس الأمن، كما أن واشنطن تمتلك الكثير من أوراق الضغط التي لم تستخدمها وأهمها سلاح العقوبات الأممية والعودة الى سياسة الخيارات في المصالح مع الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، وهو سلاح أثبت فاعليته في أكثر من مناسبة أخرها اجبار الصين على التقيد بشكل أو بأخر بالعقوبات النفطية المفروضة على ايران .


ولكن بالمجمل لا أعتقد بأن واشنطن قد تفاجئت بامتناع ال 11 دولة في مجلس الأمن عن التصويت ولا الاعتراض الصيني الروسي، ويبدو بأن الأمريكيين قدموا القرار في مجلس الأمن لاستعراض القوة و أوراق الضغط التي يمتلكونها وتسجيل نقاط على المجموعة الدولية قبل الذهاب الى خيار تفعيل العقوبات الأممية بشكل كامل على طهران .

الموقف الأوروبي والخلاف مع واشنطن في الاستراتيجية …

لا يزال الموقف الأوروبي يختلف عن واشنطن في استراتيجية التعامل مع الملف النووي الايراني، فالدول الأوروبية ترى بأن الولايات المتحدة لا تتعامل بشكل صحيح مع مخاطر انهيار الاتفاق النووي الإيراني والأهم بأن واشنطن لا تملك رؤية واضحة للخطة التالية في حال انهيار الاتفاق النووي الإيراني بشكل كامل وعودة ايران الى تخصيب اليورانيوم بنسب عالية وهذا ما سيجعلها تصل الى السلاح النووي في أقل من عامين بحسب التقارير الاستخباراتية .


وطالما لعبت الدول الأوروبية دور الحارس الضاغط لابقاء ايران داخل الحظيرة النووية منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، ولكن الأوروبيين بدأو يشعرون بأن آليات لاتعامل الدولي مع الملف النووي الايراني لم تعد ناجحة ولن تؤتي الى نتيجة خاصة بعد قرار الولايات المتحدة الأخير الغاء الاستثناء من العقوبات الذي كانت تمنحه لشركات أوروبية وصينية وروسية تعمل في المفاعلات النووية الايرانية، وهذا ما سيقوض قدرات الأوروبيين على مراقبة البرنامج النووي الايراني بشكل أو بأخر .


وعلى الرغم من تأييد الدول الأوروبية في وقت سابق لتمديد حظر الأسلحة على ايران لأنها ترى في الغاء الحظر تهديد للأمن والسلم الدوليين إلا أن الدول الأوروبية امتنعت عن التصويت .

وقال روبرت أوبراين مستشار الأمن القومي الأمريكي يوم الجمعة إن رفض فرنسا وألمانيا وبريطانيا دعم جهود الولايات المتحدة خلال تصويت أجراه مجلس الأمن الدولي لتمديد حظر السلاح على إيران ” مخيب للآمال ولكنه ليس مفاجئا“.

وأضاف في مقابلة مع قناة فوكس نيوز ” خسرنا اليوم ولكن المسألة لم تنته بعد“.

المبادرة الروسية قد تكون أفضل الحلول الممكنة …


في ظل التوترات الدولية الحاصلة يبدو بأن المبادرة الفرنسية قد تبدو الأقرب الى الواقعية في الوقت الحالي فقد اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقد قمة عبر الإنترنت مع الولايات المتحدة وباقي الدول أطراف الاتفاق النووي وهي بريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا وإيران في محاولة لتفادي حدوث ”مواجهة وتصعيد“ أكبر في الأمم المتحدة بشأن إيران.


وقال بوتين في بيان ”القضية ملحة“. وأضاف أن البديل سيكون ”مزيدا من تصعيد التوتر وزيادة خطر الصراع، ولا بد من تجنب هذا السيناريو“.

وقال ترامب للصحفيين عندما سئل عما إذا كان سيشارك في تلك القمة ” سمعت إن هناك شيئا ما ولكن لم يتم إبلاغي به بعد“. وقال قصر الاليزيه إن الرئيس إيمانويل ماكرون مستعد للمشاركة.



باالتالي فإن الأطراف المعنية تبدو موافقة بشكل ضمني على الاقتراح الروسي بعقد اجتماع موسع ولكن هذا سيعتمد على ما لدى بوتين لتقديمه، هل سيكون هناك مبادرة ما يجري تحضيرها أم هي دعوة للحوار لتجنب التصعيد .


في كل الاحتمالات سيكون الملف الإيراني مطروح على الطاولة الدبلوماسية العالمية بشكل موسع في الفترة القادمة، والاختراق الوحيد الذي يمكن أن يحدث هو تأجيل المواجهة الى مابعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أو أن نتفاجئ باتفاق ما يخرج من تحت الطاولة بعد محادثات سرية في إحدى العواصم العالمية .

تحليل الحدث / ناصر زهير

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org