بوريل يضرب جرس الإنذار في أوروبا حول الشعبوية بعد أحداث الكابيتول.. " توجهات السياسات الأوروبية "


وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف اليمين المتطرف في أوروبا

باريس 11 ديسمبر 2021 : كما كان وصول دونالد ترمب الى السلطة نقطة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة والسياسة الخارجية مع حلفائها الأوروبيين ما بعد الحرب العالمية الثانية، يبدو بأن خروجه من السلطة سيكون أيضا نقطة فارقة تنعكس بشكل كبير على الضفة المقابلة من الأطلسي ودول الاتحاد الأوروبي ال 27 .


ويمكن اعتبار اقتحام الكونغرس الأمريكي من قبل أنصار ترمب أو مايعرف " بأحداث الكابيتول " قد بدأ يأخذ بعدا أخر في الاتحاد الأوروبي مما استدعى مسؤؤل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل الى دق جرس الإنذار من تنامي الشعبوية في أوروبا وخطر وصول الساسة الشعبويين الى السلطة مما قد يقوض قيم الديمقراطية في حول العالم .

جوزيب بوريل، اعتبر أن حادثة اقتحام الكابيتول أظهرت المخاطر التي تهدد "قيم الديمقراطية"، خاصة "السياسيون الشعبويون وتضليل المعلومات".


وقال بوريل، في تدوينة نشرها اليوم الأحد: "ما رأيناه يوم الأربعاء لم يكون سوى ذروة التطورات المقلقة للغاية التي حدثت على مستوى العالم في السنوات الماضية. يجب أن يكون ذلك جرس إنذار لكل المدافعين عن الديمقراطية".

وفي خطوة تعكس الواقع الأوروبي أشار بوريل بشكل مستتر الى الأحزاب الشعبوية الأوروبية والشخصيات السياسية التي تمثلها والتي لا زالت في صفوف المعارضة ولم تتوصل الى السلطة بعد، وكتب بوريل في مدونة نُشِرَتْ اليوم الأحد (10 كانون الثاني/ يناير 2021):" هناك في العالم كله قادة سياسيون في المعارضة وبشكل متنام أيضا في السلطة، لديهم استعداد لتقويض مؤسسات ديمقراطية" دون أن يشير إلى أمثلة محددة.


وقال بوريل، الذي يتحدث باسم 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي: "يجب مكافحة الأوهام والاعتداءات على القيم الديمقراطية وتجاوز الانقسام في كل مجتمعاتنا وليس فقط في الولايات المتحدة. هناك زعماء سياسيون في كل العالم مستعدون لتقويض المؤسسات الديمقراطية، إن كانوا في صفوف المعارضة أو في السلطة، وهذا ما يحدث بشكل متزايد".


تصريحات بوريل تعكس مخاوف أوروبية حقيقية من انعكاس هذه التطورات على الواقع السياسي في البلدان الأوروبية المرشحة لوصول السياسيين الشعبويين الى السلطة قريبا مثل فرنسا وايطاليا وهولندا .

ـ دعوة لمواجهة الشعبوية السياسية في أوروبا ..

بوريل شدد في تدوينته على ضرورة "مواجهة كل محاولات انتهاك استقلال المؤسسات الديمقراطية وغوغائية الزعماء الشعبويين وتضليل المعلومات ونشر الأخبار الكاذبة".


وتابع: "يجب على الجميع أن يدرك أنه إذا قبلنا الانتكاسات بعد الانتكاسات، حتى لو بدت بسيطة، فإن الديمقراطية وقيمها ومؤسساتها يمكن أن تتلاشى في نهاية المطاف وبشكل لا رجعة فيه".

وإن كانت تصريحات بوريل عامة إلا أنها تعتبر دعوة الى مواجهة الشعبوية السياسية خاصة في أوروبا التي تنامت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وتبلور ذلك بشكل واضح لدخول بعض أحزاب الشعبوية واليمين المتطرف الى البرلمانات الأوروبية للمرة الأولى في تاريخها في دول مثل ألمانيا و إسبانيا، بالإضافة الى تمكن هذه الأحزاب من الوصول الى السلطة في كل من إيطاليا والنمسا و هنغاريا، وهذا ما يعكس خطر حقيقي يهدد الاتحاد الأوروبي .


وفي المستقبل القريب ستحاول الأحزاب السياسية ودوائر صنع القرار في أوروبا استغلال أحداث الكابيتول لإطلاق جرس الإنذار من وصول الشعبويين السياسيين الى السلطة، وأولى هذه الخطوات كانت من بوريل وقد تتبعها خطوات أخرى في فرنسا وألمانيا وإسبانيا.

ولا يمكن للقادة السياسيين الأوروبيين سوى التعبير عن تحذيرهم برأي شخصي أو سياسي، أما العمل الحقيقي فيجب أن يكون من الأحزاب السياسية التقليدية في أوروبا والأحزاب الجديدة الصاعدة الى التجربة السياسية مثل حزب الجمهورية الى الأمام الذي ينحدر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فالصورة الأن أصبحت واضحت بالنسبة للناخبين الأوروبيين حول الوضع الذي يمكن أن تصل اليه الأمور في الديمقراطيات الأوروبية إذا ما وصل بعض السياسيين الشعبويين المشابهين لترمب الى السلطة .


الأحزاب الشعبوية الأوروبية يبدو بأنها تدرك الخطر الداهم الذي يتهددها بسبب ما حدث في واشنطن ولذلك رأينا غياب كامل لأي تضامن أو دعم من قبل هذه الأحزاب للرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي كان يحرص على تقديم كل الدعم السياسي الممكن لهذه الأحزاب من أجل الوصول الى السلطة، وكما كان اليمين الشعبوي في أوروبا يعتبر وصول ترمب عامل إيجابي على الشعبوية الأوروبية أصبحت أحزاب وشخصيات اليمين الشعبوي تعتبر ترمب وبالاً ولعنة سياسية ستلحق بهم في السنوات القادمة .

ـ دعوة الى لوائح تنظيمية لوسائل التواصل الاجتماعي في أوروبا ..


ومن الواضح أن ما حدث مع دونالد ترمب من تقييد حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي وبالأخص " تويتر وفيسبوك " قد يتكرر مع سياسيين أوروبيين شعبويين في المستقبل إذا اتخذوا نفس المسار التحريضي الذي قام به دونالد ترمب .


وفي هذا الاتجاه دعا بوريل إلى لوائح تنظيمية أفضل على مواقع التواصل الاجتماعي، قائلا إن هذا لا يمكن أن تقوم به الشركات صاحبة تلك المواقع بنفسها.

وأضاف: "إذا اعتقد بعض الناس أن الانتخابات كانت مزورة، لأن زعيمهم يخبرهم بذلك مرارا، فسوف يتصرفون وفقا لذلك".

وأكد بوريل: "إذا كان لدى أي شخص أي شكوك في هذا الأمر، فإن ما جرى من أحداث في واشنطن يظهر أن المعلومات المضللة تشكل تهديدا حقيقيا للدول الديمقراطية".


ولا يمكن اعتبار بأن اللوائح التنظيمية التي دعا اليها بوريل ستساهم بتقييد السياسيين الشعبويين في أوروبا فقط بل أيضا سياسات الأحزاب والحركات الشعبوية في كل البلدان الأوروبية إذا ما اتخذت منحى تحريضي أو تضليل في المعلومات قد يضر بالقيم الأوروبية والديمقراطية .


ـ أحداث الكابيتول وضرب صورة الشعبوية القومية حول العالم ..


وكما كان وصول ترمب علامة فارقة وداعمة لليمين الشعبوي في أوروبا يبدو بأن خروجه سيكون علامة فارقة أيضا ليهز الصورة الجديدة التي حاول ترمب زرعها لدى الناخبين الغربيين الذين يؤمنون بالشعار الذي رفعه دائما " أمريكا أولاً " .


وعلى الرغم من كل الصور السيئة التي تركتها هذه الأحداث والتي كان فيها ترمب عامل محرك ومحرض على العنف إلا أنها ستكون ايجابية للغاية في التأثير على الحركة الشعبوية بشكل سلبي حول العالم .

ومثل هذه الأحداث ستدفع الكثير من الناخبين الأوروبيين للتفكير جيدا وإعادة حساباتهم قبل التصويت لأي من مرشحي اليمين الشعبوي في أوروبا والمرشحين بقوة للوصول الى السلطة في بعض البلدان وخصوصا فرنسا التي أشار استطلاع مهم للرأي فيها بأن ثمانية من كل 10 ناخبين سيصوتون لمارين لوبان في الانتخابات الرءاسية القادمة .


وعلى الرغم من أن نتيجة استطلاع الرأي هذه كانت عاطفية للغاية بسبب حالة الغضب المتصاعد من قبل الفرنسيين بسبب الأزمات الداخلية التي تعيشها فرنسا بالإضافة ما يعتبرونه فشل للحكومة الفرنسية في التعامل مع التأثيرات الاقتصادية الكارثية لفيروس كورونا .

وسيكون الدافع للناخبين الأوروبيين في إعادة حساباتهم هو الخشية من حالة الفوضى التي قد يتسبب بها وصول مرشحين للشعبويين القوميين الى مراكز صنع القرار في الدول الأوروبية، فالمؤسسات الأوروبية ليست قوية بما فيه الكفاية للتعامل مع مثل هذه الفرضى في حال حدوثها، وربما تسقط في الامتحان الذي خاضته المؤسسات الأمريكية ونجحت فيه مؤقتاً .



وفي النهاية تبدو الفرصة مناسبة جدا لاستغلال أحداث الكابيتول واقتحام الكونغرس الأمريكي لتحجيم اليمين الشعبوي القومي في أوروبا وتقييده إذا ما نجحت الأحزاب السياسية الأوروبية الكبرى في التعامل بشكل صحيح مع الموقف والدفع بالناخبين الأوروبيين لإعادة حساباتهم في تحديد توجهاتهم الانتخابية .


فخطر اليمين الشعبوي لا يزال قائما وكما كانت هذه الأحداث عامل سلبي في ضرب صورة التوجه الشعبوي القومي، يمكن أن تكون نفس الأحداث عامل تقوية وتشجيع للشعبويين الأوروبيين للتقدم خطوات الى الأمام وضرب النظم الديمقراطية إذا لم يتم التعامل بشكل صحيح مع الموقف من قبل الزحزاب والمؤسسات الديمقراطية الأوروبية

وحدة الدراسات الأوروبية | ملف اليمين الشعبوي في أوروبا

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org