أوروبا ما بعد البريكست ... أبرز التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية



انفصلت بريطانيا بشكل رسمي عن الاتحاد الأوروبي بعد 47 عاماً من العضوية في التكتل الأوروبي الذي كان يسعى لبناء منظومة قوية تواجه التغيرات على الساحتين السياسية والاقتصادية في السنوات الأخيرة.

وقد أظهر القادة الأوروبيون رباطة جأش وقوة في يوم الانفصال بمقابل مظاهر احتفالية من قبل السياسيين المؤيدين لفكرة الانفصال في بريطانيا، ولكن الرسائل من قادة بروكسل كانت حادة نوعاً ما في يوم وداع لندن .

فقد حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بريطانيا من أنها لا يمكن أن تنتظر معاملتها بنفس الطريقة التي كانت تُعامل بها عندما كانت جزءا من الاتحاد الأوروبي على الرغم من أن فرنسا تريد إقامة علاقة وثيقة معها بعد الخروج النهائي .

وقال ماكرون في كلمة بالتلفزيون مخاطبا البريطانيين ”لا يمكن أن تكونوا بالداخل والخارج“ في وقت واحد. وأضاف ”اختار الشعب البريطاني أن يترك الاتحاد ألأوروبي. لن تقع عليه نفس الالتزامات وبالتالي لم تعد له نفس الحقوق“.

الرسائل من المفوضية الأوروبية كانت على نفس القدر من الحزم مع بريطانيا فشككت المفوضية في وقت سابق بإمكانية إبرام اتفاق تجاري رائع مع بريطانيا إذا لم تلتزم ببعض معايير الاتحاد الأوروبي، أيضا شككت المفوضية بإمكانية إنهاء مثل هذا الاتفاق خلال عام واحد من المفاوضات .

ما هو مستقبل أوروبا ما بعد البريكست ؟

الأوروبيون أمام فرصة تاريخية اليوم لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي وإعادة رسم خارطة التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضاً للاتحاد الأوروبي في السنوات القادمة.

فطوال عقود من الاتحاد كانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا هم الأقطاب الثلاثة القوية التي كانت تقود الاتحاد الأوروبي، وربما كان وجود بريطانيا في هذا الثلاثي عامل سلبي أكثر مما هو إيجابي، فإذا نظرنا إلى خط السياسة البريطانية في السنوات الأخيرة نجدها متحالفة ومتناغمة مع الولايات المتحدة الأمريكية أكثر بكثير مما كانت عليه بالنسبة للاتحاد الأوروبي وحلفائها فرنسا وألمانيا، وكان هذا الاختلاف جلياً في مواضيع مفصلية مثل حرب أفغانستان وحرب العراق والتعامل مع القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط .


و تقع اليوم مسؤولية كبيرة على فرنسا وألمانيا لقيادة الاتحاد الأوروبي من جديد وترتيب البيت الداخلي والسياسة الخارجية لقطع الطريق على الأحزاب الشعبوية الأوروبية التي قد تطالب في مرحلة ما بانفصال دول أخرى عن التكتل الأوروبي "رغم أن هذا مستبعد حالياً" ولكن يجب العمل بشكل سريع لمعالجة كافة القضايا الرئيسية التي تهم مواطني دول الاتحاد . النقطة الأهم هو وجود اتجاه حقيقي وقوي لدى الأوروبيين والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لإيجاد ثقل سياسي وعسكري حقيقي للاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، وأبرز المؤشرات هو تفعيل القوة الأوروبية المنفصلة عن التحالف الدولي لتأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، أي أن الأوروبيون اختاروا القيام بحماية مصالحهم بأنفسهم والتواجد عسكرياً على الأرض في الشرق الأوسط ومناطق الصراع الدولية . أيضا هناك تحركات فرنسية وأوروبية لزيادة التعاون العسكري في شمال أفريقيا في الجهود لمكافحة الجهاديين وزيادة التعاون الأوروبي العسكري هناك . ماكرون قد يُعبّر عن وجهة نظر الكثير من الدول الأوروبية عندما قال بأن حلف الناتو " ميت دماغياً " ولم يعد مفيداً بالنسبة للدول الأوروبية صاحبة العضوية فيه، وربما قال ماكرون ما لا يستطيع السياسيين الأخرين قوله ولكنه يعبر عن انزعاجهم من مفهوم عمل حلف الناتو وفاعليته . وبالتالي فإن فكرة الجيش الأوروبي الموحد لا زالت قائمة في تفكير ماكرون وبعض الدول الأوروبية الأخرى ولكن فكرة تنفيذها لا زالت بحاجة إلى المزيد من الوقت حتى الانتهاء من ترتيب البيت الأوروبي وزيادة الثقة في هذا التحالف وقوته وفاعليته السياسية والاقتصادية . الخلافات الفرنسية الألمانية والمنافسة على قيادة أوروبا. طفت على السطح في الفترة الأخيرة فكرة المنافسة الفرنسية الأوروبية على قيادة الاتحاد الأوروبي ومن هي الدولة الأجدر بقيادة أوروبا بعد انسحاب بريطانيا، وباعتقادي فإن هذا لاصراع محسوم لصالح فرنسا بدون نقاش، فالفرنسيون هم الذين يملكون المقعد الدائم الوحيد المتبقي لأوروبا في مجلس الأمن، وهي الدولة التي تملك حق النقض "الفيتو"، وأيضاً هي الدولة التي تمتلك السلاح النووي، بالتالي فإن الصراع محسوم لصالح الفرنسيين. ولكن هل تستطيع فرنسا العمل بدون دعم ألمانيا؟ .. طبعاً لا . فألمانيا هي قاطرة أوروبا الاقتصادية وهي الدولة الأقوى في أوروبا صناعياً واقتصادياً وبالتالي لا بد من العمل المشترك والتعاون بين فرنسا وألمانيا لقيادة الاتحاد الأوروبي نحو موقعه الجديد على الساحة السياسية والاقتصادية الدولية . فالخارطة السياسية والاقتصادية الدولية تتغير في السنوات الأخيرة بعد تصاعد النفوذ الروسي وتراجع الولايات المتحدة "ربما بإرادتها" في بعض الملفات، أيضاً الصين قادمة بقوة وتريد الدخول في الصراع نحو زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي وخاصة عبر مشروعها الطموح "الحزام والطريق"، أيضاً بريطانيا قادمة وتريد حجز نفوذها السياسي والاقتصادي بمعزل عن الأوروبيون وبتحالف قوي مع الولايات المتحدة. وبالتالي على الأوروبيون التحرك بسرعة لحجز مكانهم في خارطة النفوذ السياسية والاقتصادية الجديدة عالمياً، وربما الفرصة لن تتكرر إلا بعد عقود طويلة لإعادة رسم مثل هذه الخارطة وتوزيع مراكز القوى العالمية. أمام أوروبا والفرنسيين والألمان خمس سنوات من الأن للعمل على ترتيب أوراقهم الداخلية والدخول بقوة في الصراع السياسي والعسكري والاقتصادي العالمي . فالسنوات الخمسة القادمة ستكون صعبة جدا على الساحتين السياسية والاقتصادية العالمية خاصة إذا ما فاز ترامب بولاية رئاسية ثانية و رأينا تحالفا دوليا جديدا اسمه " ترامب - جونسون "، عندها علي أوروبا أن تكون مستعدة جيداً لمواجهة صراع سياسي متعدد الأقطاب للحفاظ على مصالحها، أيضا مواجهة حرب تجارية هدد ترامب مرات عديدة بشنها على التكتل الأوروبي وسيفعل ذلك بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية الأمريكية الجديدة وربما قبلها .