بعد فشل الناتو في جهوده،، هل حان الوقت لتدخل المايسترو الأمريكي لفرض التهدئة في شرق المتوسط


وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف شرق المتوسط

وضعت اليونان قواتها في حالة استنفار عشية مناورات تجريها تركيا، اليوم الأحد، بمشاركة قبرص التركية، يأتي ذلك فيما ذكرت وسائل إعلام تركية، أن أنقرة تنقل دبابات إلى الحدود مع اليونان.

فيما نفت مصادر عسكرية تركية إرسال دبابات نحو الحدود مع اليونان، مضيفة أن تحريك الدبابات بولاية "ملاطية" مخطط له من قبل.

وكانت صحيفة "هبرلار" التركية قالت إن قافلتي دبابات، انتقلت من ولاية هاتاي الجنوبية مع سوريا، إلى ولاية إدرنة الحدودية مع اليونان.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من جهته، كان قد صعّد ضد اليونان، السبت، وهددها بـ"تجارب مؤلمة" وعواقب وخيمة في الميدان أو الحوار.

وقال في كلمة خلال افتتاحه "مدينة طبية" في إسطنبول ونقلها التلفزيون: "إن تركيا وشعبها مستعدان لأي سيناريو والنتائج المترتبة عليه".


بالتزامن مع ذلك، يتوجه وزير الخارجية اليوناني إلى نيويورك لإجراء محادثات مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وسط توترات مع تركيا، حيث أعلن مسؤولون عسكريون أتراك أنهم سيبدأون، الأحد، التدريبات العسكرية التي تستمر 5 أيام في المتوسط.

وكان حلف شمال الاطلسي قد أعلن هذا الاسبوع أن القادة الاتراك واليونانيين وافقوا على اجراء محادثات تقنية لتفادي أي حادث بين البلدين.

لكن اليونان قالت في وقت لاحق إنها لم توافق بعد على اجراء محادثات، ما استدعى اتهاما من تركيا بأن الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي تتخلى عن الحوار.


| تحليل الحدث |

يبدو بأن التصعيد بين اليونان وتركيا العضوين في حلف شمال الأطلسي وصل الى مراحل خطيرة من التعصيد وبات خطر المواجهة العسكرية الغير محسوبة قريبا جدا، على الرغم من تصريحات متضاربة من الطرفين حول عدم الرغبة بالدخول في مواجهة عسكرية شاملة ولكن لهجة التهديد المتبادلة والمناورات العسكرية التي بات طرفي النزاع يقومون بها بكثافة قد تؤدي الى انفلات الأمور عن المسارات الدبلوماسية التي تقودها ألمانيا وتدفع بها واشنطن .


وكما هو متوقع فقد فشل حلف الناتو في دفع الطرفين الى الجلوس على طاولة المفاوضات للوصول الى اتفاق تقني يمنع مواجهة عسكرية غير محسوبة في ظل تداخل القطعات العسكرية بين الجانبين، واشترطت اليونان سحب سفن التنقيب التركية من المناطق المتنازع عليها قبل الدخول في أي حوار بطلب من الناتو .

كما أن الوساطة الألمانية يبدو بأنها أصبحت ثقيلة الحركة وفقدت فاعليتها بشكل كبير على الرغم من التحركات الكبيرة التي يقوم بها وزير الخارجية الألماني هايكو ماس والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، فبعد زيارة ماس الى كل من اليونان وتركيا والحصول على مؤشرات من الجانبين حول الرغبة بالحوار لم نرى أي تقدم بشأن المفاوضات بين الجانبين أو خفض التصعيد، كما أن اتصال المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل يومين لم يأتي بنتائج أيضا .


وتسعى الدبلوماسية الألمانية للعمل بشكل متسارع للوصول الى صيغة تهدئة قبل حلول ال24 من سبتمبر وهو موعد انعقاد القمة الأوروبية المقبلة التي من المقرر أن يتخذ القادة الأوروبيين فيها قرارا بفرض عقوبات على تركيا إذا لم تلتزم بخفض التصعيد في شرق المتوسط، وعلى الرغم من أن العقوبات التي تم الحديث عنها لم تكن كبيرة أو موجعة لأنقرة إلا أن برلين تدرك جيدا بأن فتح باب العقوبات سيكون لها عواقب سلبية جدا على قضية شرق المتوسط وقد تؤدي الى عقوبات أخرى أكبر وأكثر تأثيرا، وهو ما سيستدعي رد من أنقرة قد يكون بالقضية الأخطر التي تخشاها ألمانيا "فتح باب الهجرة على مصراعيه" وهو ما سيسبب أزمة جديدة قد تؤدي الى مراجعة كامل العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي .

دور فرنسي ضاغط ودبلوماسية ألمانية متفاعلة …


يبقى الدور الفرنسي هو عامل الضغط الأكبر وإن لم يكن الوحيد أوروبيا، فقد رأينا دور إيطالي أيضا في شرق المتوسط عبر المشاركة في المناورات العسكرية الرباعية الأخيرة، أيضا الحديث عن قوة أوروبية مشتركة يكون فيها النقيضين فرنسا وإيطاليا على نفس الخط، وتتفاعل نظرية تبادل الأدوار في قيادة الاتحاد الأوروبي بين فرنسا وألمانيا عبر خط تصعيدي عسكري فرنسي يستنهض الأوروبيين، وخط دبلوماسي ألماني يعمل على قيادة المفاوضات الدبلوماسية مع تركيا للدفع نحو حل سياسي للنزاع بين الجانبين .


بالنسبة لتركيا فإن الدور الفرنسي هو دور تصعيدي واستفزازي وأن فرنسا لا دخل لها بالقضايا التي تخص دول شرق المتوسط ولا توجد سواحل أو مصالح لها في شرق المتوسط، ولكن أنقرة ترفض أن ترى الصورة من جهة أوروبية متكاملة كما تفعل باريس وبرلين .

فالأوروبيين ينظرون الى اليونان كجزء من المنظومة الأوروبية التي يجب الدفاع عنها وعدم تركها وحيدة وأن فرنسا وألمانيا بدأو برسم سياسة أوروبية جديدة بعد خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، وكما لا وجود مباشر لفرنسا على سواحل شرق المتوسط فإن ألمانيا أيضا لا وجود مباشر لها في هذه المنطقة ولكن الطرفين يقودون الأن منظومة الاتحاد الأوروبي على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية .

حان الوقت لتدخل المايسترو الأمريكي …


على الرغم من غياب الدور الأمريكي بشكل فاعل عن تطورات النزاع في شرق المتوسط الذي شهد تدخلات خجولة من قبل وزير الخارجية مايك بومبيو واتصالات من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع قادة اليونان وتركيا، إلا أن المايسترو الأمريكي لا زال قادرا على التدخل في الأوقات الحرجة وضبط إيقاع الصراع بين الجانبين اليوناني والتركي حلفائه الأساسيين في الناتو، والتعويل على نجاح الدور الأمريكي في حل الأزمة غير كبير ولكن يمكن لواشنطن منع مواجهة عسكرية محتملة ستبعثر الأوراق التي تحاول ترتيبها في ليبيا .


هل تستطيع واشنطن الضغط نحو التهدئة بين الطرفين؟ الجواب هو نعم، فالولايات المتحدة نجحت في التعامل مع أطراف دولية كبيرة ومنع صدام عسكري محتمل في قضية مشابهة وهي سرت والجفرة في ليبيا، وتبدو قضية شرق المتوسط أهم بكثير للولايات المتحدة كونها تجري بين أعضاء أساسيين في حلف الناتو واندلاع أي مواجهة عسكرية بين الجانبين سيؤدي الى تقويض فاعلية الحلف الأطلسي تلقائيا عبر تفعيل المادة الخامسة من كل طرف، وعندها سيقف الحلف عاجزا عن أي ردة فعل تجاه المواجهة العسكرية التي قد تدخل فيها دول أخرى عدا اليونان وتركيا وهنا نتحدث عن ايطاليا وفرنسا .


وبالتالي فإن الرئيس ترمب لا يريد أي هزة كبرى من هذا النوع أن تضرب تحالفات واشنطن وتوازن القوى الدولية قبل انتهاء الانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر المقبل والى ذلك الوقت ستسعى واشنطن الى تهدئة بين الجانبين وأن كانت مؤقتة، ولكن هذا سيعتمد أيضا على مقدار الضغوط التي ستمارسها إدارة ترمب على الجانبين .

وحدة رصد الأزمات الدولية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org