شارل ميشال يتحرك دبلوماسياً،، آليات الصدام وخطر تغيير مسار العلاقات الأوروبية التركية في 24 سبتمبر


وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف شرق المتوسط

لا زال التوتر يحكم تطورات الأزمة في شرق المتوسط وتتجه الأنظار الأن الى الجهود الدبلوماسية التي تبذل من جميع الأطراف للتوصل الى اتفاق للتهدئة وبدء الحوار قبل ال24 من سبتمبر موعد القمة الأوروبية المقبلة التي ستبحث فرض عقوبات على تركيا .

وفي اتصال هاتفي جرى أمس الأحد بين رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دعا أردوغان مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله إلى البقاء على الحياد في الأزمة الراهنة بين بلاده واليونان في شرق البحر المتوسط، في حين تتواصل أعمال التنقيب التركية في المنطقة، وكذلك مناورات تجريها القوات التركية مع قوات شمال قبرص.

وقال الرئيس التركي إن التصريحات والخطوات، التي وصفها بالتحريضية من قبل المسؤولين الأوروبيين في ما يتعلق بالقضايا الإقليمية "لا تساهم في الحل".


من جهته، شدد رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال خلال الاتصال على أهمية خفض التصعيد بين البلدين، داعيا تركيا إلى وقف الأنشطة، التي من شأنها تغذية التوترات مع اليونان، حسب ما قال دبلوماسي أوروبي.

ونسب المصدر إلى ميشال قوله إن مؤتمر قمة الاتحاد الأوروبي المقبل في أواخر الشهر الجاري سيطرح العلاقات مع تركيا للنقاش و"كل الإجراءات -بما فيها نهج العصا والجزرة- ستُدرس".


وفي نفس السياق أشار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، يوم الأحد 6/9، إلى أن المجلس الأوروبي المقرر عقده في أواخر سبتمبر سيضع على رأس جدول أعماله الملف التركي والتوترات في البحر الأبيض المتوسط، وأضاف لودريان أن المجلس سيبحث أيضا فرض عقوبات على أنقرة.


وفي هذا الإطار، أشار إلى أن لقاء جمع وزراء الخارجية في برلين بحث سبل الرد المتاحة على أنقرة.

كما توجه إلى المسؤولين الأتراك معتبرا أنه بإمكانهم، منذ الآن ولغاية انعقاد المجلس الأوروبي، أن يظهروا رغبتهم الجدية بإجراء مفاوضات حول المسائل العالقة في البحر الأبيض المتوسط، مؤكدا أن هذا ليس مستحيل.

لكن لودريان رفض تحديد طبيعة العقوبات الممكن فرضها على أنقرة قائلا: لدينا خيارات كثيرة من الإجراءات التي يمكننا اللجوء إليها. مضيفا: لسنا عاجزون أبدا والرئيس التركي رجب الطيب أردوغان يعلم ذلك جيدا.


| تحليل الحدث |


بدأت أزمة شرق المتوسط تأخذ منحى أخر في التصعيد بين الجانبين فبعد الاشتباك الدبوملوماسي واستعراض القوة بين الجانبين في البحر، أصبحنا الأن أمام خطر اشتباك عسكري غير محسوب في ظل اجراء الطرفين مناورات عسكرية في مناطق متداخلة وفي مواعيد متقاربة، وعلى الرغم من عدم رغبة الطرفين في خوض مواجهة عسكرية شاملة إلا أن أي حادث عرضي قد يؤدي الى اشتباكات عسكرية غير محسوبة وهذا مايدركه حلف الناتو جيدا .


والأن أصبحنا أمام خطر جديد وهو فتح مسار أخر في العلاقات التركية الأوروبية يعتمد على العقوبات ومراجعة كامل العلاقات بين الجانبين كما يصرح المسؤولين الأوروبيين في حال لم تتراجع تركيا عن التعصيد وسحب سفن التنقيب الموجودة في المناطق المتنازع عليها والجلوس الى طاولة الحوار لحل القضايا العالقة بين الجانبين .

تركيا من جهتها ترى بأن هناك محاولة من قبل بعض دول حوض المتوسط للنيل من حقوقها البحرية ولذلك تأخذ مسار التصعيد في هذه المنطقة .


ولكن الخلافات بين الجانبين كبيرة ومتضاربة تتعلق في ترسيم الحدود المائية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة للجزر في شرق المتوسط، وكل تلك النقاط تحتاج الى مسار طويل من المفاوضات بين الجانبين والجلوس الى طاولة الحوار والذهاب الى التحكيم الدولي إذا استدعى الأمر ذلك .


ومن خلال التحركات الأوروبية المتسارعة بعد اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين في برلين نرى بأن هناك تحرك على أعلى المستويات الدبلوماسية من قبل الأوروبيين لثني أنقرة عن التصعيد فاتصال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال بالأمس مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعطي مؤشرات على خطورة الموقف الذي يشعر به ميشال من الذهاب نحو التصعيد الأقصى، كما أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل اتصلت بالرئيس التركي أيضا قبل أيام لحث تركيا نحو خفض التصعيد قبل موعد القمة الأوروبية القادمة في 24 من سبتمبر .


وحتى وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان الذي يوصف موقف بلاده بالمتشدد جدا تجاه أنقرة دعا المسؤولين الأتراك بالأمس أن يظهروا رغبتهم الجدية بإجراء مفاوضات حول المسائل العالقة في البحر الأبيض المتوسط، مؤكدا أن هذا ليس مستحيل.

ماهي أهمية قمة الاتحاد الأوروبي في ال 24 من سبتمبر .


بالنظر الى اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين في برلين الشهر الماضي كان هناك اتجاه لدى بعض الدول الأوروبية بالخروج من هذا الاجتماع بعقوبات أوروبية مباشرة تجاه تركيا وتمت فرملة هذا القرار من قبل برلين والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عبر وزير خارجيتها هايكو ماس والذي دفع بشكل صريح إعطاء فرصة للدبلوماسية حتى ال 24 من سبتمبر وإذا لم يتم التوصل الى حل أو خفض للتصعيد عندها يمكن اللجوء الى خيار العقوبات .


وبناء على هذا التوجه خرج بيان وزراء الخارجية الأوروبيين بالدعوة الى خفض التصعيد والإشارة صراحة الى امكانية فرض العقوبات على أنقرة في القمة القادمة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية .


برلين كانت ترى بأن تركيا سترد لها الجميل بعرقلة قرار العقوبات وتقوم بسحب سفن التنقيب التي أعادتها الى المتوسط والبدء بالمفاوضات كما فعلت ذلك في السابق، ولكن تطلعات برلين اصطدمت برفض تركي والتمسك بخيار المفاوضات بدون أي شروط، ومن حيث الواقعية الدبلوماسية لا يمكن البدء بعقد المفاوضات بين الجانبين فيما تجوب سفن التنقيب التركية ترافقها السفن العسكرية في المناطق المتنازع عليها بين الجانبين، وهذا ما يراه الأوروبيون فرض لسياسة الأمر الواقع .


كما أن أي اجراء سيتم اتخاذه في القمة الأوروبية المقبلة لن يتعلق فقط بالعقوبات التي تم الحديث عنها بل يمكن أن يتخطاه الى اجراءات تصعيد أخرى قد تتجه نحو اتخاذ قرار بمراجعة كامل العلاقات التركية الأوروبية، بالإضافة "وهذا مستبعد حاليا" ولكن قد يتم طرح فكرة قوات أوروبية مشتركة تنتشر بشكل دائم في شرق المتوسط بمعزل عن الناتو، وهذا القرار اتخذته الدول الأوروبية في وقت سابق عندما نشرت قوات أوروبية مشتركة في مضيق هرمز .

هناك نقطة مهمة في أساسيات صراع شرق المتوسط وهو بأن تركيا ترفض أن ترى بأن الصراع الدول الأوروبية كمظومة متكاملة داخل الاتحاد الأوروبي، وتعتبر بأن الصراع هو مع اليونان فقط وأن الدول الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي يجب أن تبقى على الحياد .


وهذا غير واقعي في ظل التغيرات التي حصلت داخل منظومة الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا واتباع فرنسا وألمانيا سياسات جديدة لقيادة الاتحاد الأوروبي من جديد، كما أن الدول الأوروبية بدأت تتصرف منظومة واحدة في أي قرارات تمس المصالح الأوروبي وهذا ما لمسناه من اشتراك ايطاليا وفرنسا في المناورات العسكرية الرباعية المشتركة في شرق المتوسط، حتى فكرة بأن خلافات الدول داخل المنظومة الأوروبية تطغى على قراراتها الداخلية أصبحت مستبعدة في الوقت الحالي خاصة بعد تهديد شارل ميشال بتغيير سياسة آليات اتخاذ القرار داخل المنظومة الأوروبية لتكون بالأغلبية بدلا من الإجماع، وتجدر الإشارة بأن كل الدول الأوروبية تمتلك مصالح في شرق المتوسط سواء ايطاليا واليونان عبر سواحلهم أو فرنسا وألمانيا عبر مصالح شركاتهم الاقتصادية في حقول النفط والغاز المكتشفة، بالتزامن أيضا مع المصالح السياسية والعسكرية للاتحاد الأوروبي كمنظومة متكاملة .


تبقى الأن فرصة للدبلوماسية خلال الأسبوعين القادمين للتوصل الى تهدئة بين الجانبين وإلا سندخل في خيارات صعبة قد تفتح مجال الصراع ليكون أكبر بين الجانبين الأوروبي والتركي، وفتح باب العقوبات لن يتعلق فقط ببعض العقوبات الاقتصادية الغير مؤثرة حتى وإن بدأ بها بل سيمتد أيضا الى عقوبات اقتصادية أكبر ومراجعة شاملة للعلاقات التركية الأوروبية، واتخاذ آليات للتصعيد والرد أيضا من قبل تركيا وهذا ما لا ترغب به جميع الأطراف ولكن في مرحلة ما من التصعيد قد نصل الى نقطة اللاعودة سواء بمنتصر ومهزوم، وهذا سيؤدي الى تعقيدات أكبر في القضايا الإقليمية والدولية المتشابكة بين الجانبين.

ويكمن التعويل الأكبر هو على دور الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترمب في التدخل والضغط على الطرفين اليوناني والتركي للجلوس الى طاولة الحوار، ونحن الأن أمام خيارين، أما نجاح الوساطة الألمانية بدفع وضغط أمريكي على الجانبين، أو الذهاب الى مواجهة أكبر عبر فرض العقوبات في نهاية سبتمبر والذهاب نحو خطر التصعيد من الجانبين وبدء المواجهة العسكرية بكل ما تحمله من عواقب سياسية وعسكرية واقتصادية .

وحدة رصد الأزمات الدولية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org