ليبيا وفض الاشتباك.. مبعوث دائم وقرار ملزم من مجلس الأمن وقوات دولية لفرض ومراقبة وقف القتال


ناصر زهير ـ مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في مركز جنيف للدراسات


لا تزال التحركات الدبلوماسية متسارعة في الملف الليبي ويرافقها أيضا تصعيد في الانتقادات بين فرنسا وتركيا وأيضا تصعيد إقليمي وتهديد بالتدخل العسكري بين مصر وتركيا وفي ظل كل هذه التجاذبات تتجه الأنظار الى الموقف الأمريكي الغير واضح والمتذبذب بين طرفي الصراع، وهذا ما استدعى اتصال هاتفي من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بملطالبته بالعمل على وقف اطلاق النار في لبيا "والمطالبة بموقف أمريكي واضح في الصراع الذاىر في ليبيا"، ولكن الموقف الأوروبي ليس بأفضل من نظيره الأمريكي، فعلى الرغم من أن فرنسا تطرح مخاوف مشتركة لجميع الدول الأوروبية فيما يتعلق بالصراع في شرق المتوسط والبوابة الأفريقية للهجرة الى أوروبا وأيضا الدفاع عن المصالح الأوروبية في ليبيا، إلا أن الموقف الإيطالي والألماني لا يتناغمان كثيرا مع موقف باريس، وهذا ما يستدعي عمل دؤوب للدبلوماسية الفرنسية لتوحيد الموقف الأوروبي .


وبالنظر الى اجتماع قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" مع فايز السراج فإن هذه التحركات تعطي مؤشرات على أن الولايات المتحدة لا زالت تحاول التحكم بخيوط اللعبة في ليبيا، كما أن روسيا موقفها متذبذب في ليبيا، فما بين التنسيق مع تركيا التي تدعم حكومة الوفاق، وأيضا الدعوات الى وقف إطلاق النار يكون الموقف الروسي ليس بأفضل من الموقف الأمريكي .

ولكن القاسم المشترك بين كل التحركات الدبلوماسية للدول المعنية في الملف الليبي هو دائما الدعوة إلى حل سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة و مخرجات مؤتمر برلين .


وفي ظل هذه الدعوات المشتركة نحو حل سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة و وقف دائم لإطلاق النار و تفعيل اللجان المنبثقة عن مؤتمر برلين وخاصة لجنة 5+5 العسكرية، يبرز غياب واضح لدور الأمم المتحدة و الأهم هو عدم تعيين مبعوث دائم إلى ليبيا خلفا للمبعوث السابق غسان سلامة.


وكما أن هناك خلافات كبيرة حول تعيين مبعوث دائم للأمم المتحدة إلى ليبيا وأيضا اعتراضات أمريكية على تعيين او اقتراح اسم رمطان العمامره فبالتالي لا يمكن أن نقول بأن هناك أي اتجاه جاد لتفعيل الحل السياسي و تحويل الملف اللي يكون تحت رعاية الأمم المتحدة .

وهنا وفي ظل الأوضاع الحالية لا يمكن الحديث عن حل سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة فأي عملية سياسية تحتاج إلى من يديرها ومن ينسقها وهذا الدور مفقود الآن في ظل غياب مبعوث أممي دائم الى ليبيا، هذه نقطة أما النقطة الثانية فهي تفعيل دور مؤسسات الأمم المتحدة وهنا نتحدث عن مجلس الأمن وضرورة أن يتخذ خطوات ملموسة و رادعة لكل الدول التي تتدخل في الملف الليبي سواء بإرسال المقاتلين والأسلحة أو التدخل بشكل غير مباشر و إعاقة الحل السياسي .


ويبدو بأننا أمام حاجة ملحة لقوات دولية تراقب أو تفرض وقف إطلاق النار في ليبا، فعلى مدى السنوات التسعة الماضية لم يكن هناك أي التزام من أي طرف من أطراف النزاع بأي هدنة تم اقرارها، وبالتالي يجب أن يكون هناك آلية لفرض وقف إطلاق نار دائم لضمان تفعيل الحل السياسي في هذا البلد الذي مزقته الصراعات الداخلية والدولية .


وفي ظل صعوبة إرسال قوات دولية لمراقبة وقف إطلاق النار او فرضه يمكن في البداية أن يكون هناك قرار بإرسال مراقبين من الامم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار مع وضع بند في القرار يتم تفعيله تلقائيا بأنه في حال فشل أو عدم التزام أطراف النزاع بهذه الهدنة يمكن بسرعة التحرك لإرسال قوات دولية لمراقبة وفرض وقف إطلاق النار الدائم .

خارطة طريق واضحة بضمانات دولية …

النقطة الثانية يجب الاتفاق على خارطة طريق تكون أساس الحل في ليبيا بمعنى أن يكون هناك جدول لآليات الحل السياسي كيف سيكون؟ هل سيكون مرحلة انتقالية بعدها انتخابات وهل سيكون هناك آليات للعمل الموسساتي المشترك بين طرفي النزاع أثناء النرحلة الانتقالية، وكيف يمكن الوصول إلى توحيد المؤسسات الليبية والوصول إلى هيئة حكم موحدة يختارها الشعب الليبي.


ويجب أن يكون هناك فهم واضح لدى جميع الأطراف المتصارعة في ليبيا بأن الحل يجب أن يكون تحت رعاية الأمم المتحدة ولا يمكن لأحد طرفي الصراع أن يحسم الحل العسكري، فإذا نظرنا إلى كل طرف وداعميه فهناك الكثير من التجاذبات والصراعات الثنائية وهنا نعطي مثل "فرنسا وإيطاليا" و "روسيا والولايات المتحدة" و "تركيا ومصر " وأيضا التجاذبات التي تحكم الدول الإقليمية.


المشكلة الأبرز في موضوع ليبيا هي بأن الحل لا يتعلق في الشأن الليبي فقط بل يرتبط أيضا بموضوع شرق المتوسط وملف الصراع على بوابة إفريقيا للهجره وأيضا الصراع على حقول النفط والغاز الموجودة في ليبيا، و أيضا الصراع على النفوذ في أفريقيا فتلك الملفات تجعل الملف الليبي معقد اكثر من موضوع صراع داخلي بين الطرفين في دولة مستقلة بل يتجاوزه ليأخذ صبغة لمعركة نفوذ دولية، و الجميع يسعى إلى تحقيق الانتصار فيها .

ومن هنا وفي ظل التصعيد الخطير الذي ينذر بمواجهة عسكرية قد تكون إقليمية وقد تكون دورية في مرحلة ما، يجب التوجه نحو خفض التصعيد أولا و تفعيل دور الأمم المتحدة وفض الاشتباك بين الأطراف التي وصل التصعيد بينها إلى درجة خطيرة ثانيا .


والأهم هو إعطاء الثقة و ضمانات دولية لأي محادثات سياسية قادمة وأي هدنة دائمة لوقف اطلاق النار يتم التوصل اليها، وأن يكون هناك قرار من مجلس الأمن يعطي آلية لفرض وقف القتال وإرسال مراقبين دوليين وفي مرحلة لاحقة إرسال قوات دولية لفرض وقف إطلاق النار في حال عدم التزام أطراف الصراع وداعميهم، وما دون ذلك سيكون إضاعة للوقت وتهيئة لمواجهة عسكرية قد تكون إقليمية في بدايتها ولكنها ستتطور لتكون دولية في نهايتها، ونتائج هذه المواجهة ستكون كارثية على ليبيا وأفق الحل السياسي وستزيد من حدة الصراعات في شرق المتوسط وشمال أفريقيا .