استقالة السراج تخلط الأوراق في ليبيا،، المواقف الدولية بين التجاذبات والدفع نحو حل سياسي نهائي


وحدة رصد الأزمات الدولية " الملف الليبي

باتت الأحداث متسارعة في الملف الليبي على المستوى السياسي، فبعد اجتماعات مكثفة وتحركات دبلوماسية متواصلة في المغرب والقاهرة وجنيف أعلنت التوصل الى بعض التفاهمات بين طرفي الصراع، خرج رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحكومة الفواق فايز السراج ببيان مهم أشار فيه الى تخليه عن مهامه قبل نهاية أكتوبر .


حيث أعلن رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا فايز السراج الأربعاء، عن استعداده لتسليم السلطة قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول. ودعا لجنة الحوار المنوط بها تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة إلى "اختيار مجلس رئاسي جديد وتكليف رئيس حكومة يتسلم السلطة بشكل سلمي". ويأتي إعلان السراج بعد مشاورات أجريت الأسبوع الماضي في سويسرا وقبلها محادثات في المغرب بين أطراف النزاع اللليبي.

وصرح السراج في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي: "أعلن للجميع رغبتي الصادقة تسليم مهامي فى موعد أقصاه آخر شهر أكتوبر على أمل أن تكون لجنة الحوار استكملت عملها واختارت مجلسا رئاسيا جديدا ورئيس حكومة".

وأضاف "نرحب بما صدر من توصيات مبدئية مبشّرة أفضت إلى الاتجاه إلى مرحلة تمهيدية جديدة لتوحيد المؤسسات والتمهيد للانتخابات، بالرغم من قناعتي بأن الانتخابات المباشرة هي أقصر الطرق إلى حل شامل. لكن سأدعم أي تفاهمات غير ذلك".


وعلى الصعيد الدولي قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مقابلة مع محطة (سي.إن.إن ترك) في وقت متأخر يوم الأربعاء 16 سبتمبر 2020 إن مسؤولين من تركيا وروسيا اقتربوا من اتفاق بشأن وقف إطلاق النار وعملية سياسية في ليبيا خلال اجتماعات جرت بينهم مؤخرا في أنقرة.

ـ تحليل الحدث …


من الممكن اعتبار إعلان السراج عزمه التخلي عن منصبه ومهامه نقطة تحول مهمة في الملف الليبي ولكن لا يجب أن تأخذ أكبر من حجمها، فالسراج هو الشخصية الرئيسية في حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي ولكنه ليس المحرك الأساسي لها وليس هو الشخص الذي يجمع في يده كل السلطات، بمعنى يمكن أن يكون الأمر تغيير وجوه وشخصيات لا أكثر في ظل الخلافات الداخلية التي تضرب فريق السلطة في طرابلس .


كما أن النقطة الأبرز هي في حال فشل لجنة الحوار المنوط بها اختيار مجلس رئاسي جديد ورئيس حكومة جديد ماهي تطورات الموقف على صعيد السلطة في طرابلس؟، هل سيبقى السراج أم ستخلفه شخصية أخرى تتمتع في نفس الثقل السياسي والدبلوماسي، والأهم القبول الدولي .


من دون الغوص كثيرا في تفاصيل المشهد الداخلي الليبي، يمكن أن نعود الى الخلافات بين السراج و وزير داخليته باشاغا والتي أدت الى قرار بعزل وزير الداخلية من منصبه ومن ثم عودته الى نفس المنصب بعد محادثات مهمة أجراها في تركيا .


على مستوى التحركات الدولية يبدو بأن هناك اتجاه ما لتغيير ثنائية الشخصيات التي تقود الصراع في ليبيا وهي " السراج - حفتر "، وقد يكون هناك اتجاه لجعلها ثنائية " خالد المشري - عقيلة صالح " ، أو أن يكون هناك اتجاه لاختيار شخصيات أخرى تتصدر المشهد في حين تبقى القوى الفاعلة هي التي تدير المشهد من خلف الكواليس .


ولكن الحديث عن توافق مفاجئ واختيار مجلس رئاسي جديد وحكومة بتوافق بين طرفي الصراع لا يمكن أن يكون منطقي في ظل التجاذبات السياسية الدولية حول الملف الليبي، كما أن السراج لم يخرج بعد بشكل حقيقي من المشهد السياسي في ليبيا .


بمعنى ماذا لو فشلت لجنة الحوار في اختيار مجلس رئاسي جديد ورئيس حكومة متوافق عليهم بين الجانبين ؟؟، هذا سؤال مهم أيضا مطروح على الساحة السياسية .

ـ المواقف الدولية …


على صعيد المواقف الدولية لا زالت الاصطفافات هي ذاتها التي تشكل ثنائي التحالفات الدولية الداعمة لطرفي الصراع، ولم يحدث أي خرق بما يتعلق بتوافق بين طرفين دوليين يقفان على ضفتي النقيض في الصراع في ليبيا باستثناء بعض الاتصالات الاستخباراتية بين أنقرة والقاهرة .

أما على صعيد المواقف الأساسية التي تحرك المشهد الليبي فلا يوجد أي تغيير يمكن أن نقول بأنه فاعل بالاتجاه نحو حل نهائي فالدول الأساسية " فرنسا ، ايطاليا ، تركيا ، روسيا " لا زالت على مواقفها الأساسية .

ـ الموقف الأمريكي …


يعتبر الموقف الأمريكي هو المحرك الأساسي لإدارة الصراع في ليبيا الأن، فهو الطرف الدولي الوحيد الذي يملك أوراق ضغط على كل الأطراف الداخلية والدولية، وهو الطرف القوي الذي استطاع فرض وقف لإطلاق النار في سرت والجفرة ومنع صدام عسكري اقليمي وربما دولي في مرحلة لاحقة .


وإذا راقبنا تحركات السفارة الأمريكية نحو دفع الأطراف الليبية الى وقف اطلاق النار وحل المشاكل العالقة التي قد تؤدي الى استمرار النزاع العسكري، نرى ببأن الأمريكيين يديرون المشهد بفاعلية كبرى من خلف الكواليس .

كما أن دعوة مجلس الأمن للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتعيين مبعوث خاص للسلام في ليبيا خلفا لغسان سلامة يعطي نظرة ايجابية نحو تفعيل دور الأمم المتحدة لقيادة الحوار السياسي بين الأطراف الليبية وفق مخرجات برلين والاجتماعات التي تبعته في المغرب ومصر وجنيف .

يأتي هنا الاتفاق التركي الروسي والإعلان عن التوصل لاتفاق شبه نهائي حول وقف اطلاق النار في ليبيا، على الرغم من أن هذا الاتفاق يعتبر ايجابي ولكنه غير مؤثر على المشهد الحالي ، وبالتالي هذه التحركات الدولية تحاول أن تعطي صورة بأن هذه الأطراف لديها دور وشاركت في أي تسوية سياسية قادمة وإن كانت مؤقتة .

كما أن باريس حاولت لعب دور دولي ما في ظل هذه التحركات عبر الدعوة الى اجتماع بين السراج وحفتر بحسب بعض التسريبات الدبلوماسية، ولكن تبعثر الأوراق في منظومة سلطة طرابلس قوض هذا الاجتماع ونفى الاليزيه وحكومة الوفاق عقد الاجتماع على الرغم من أن المتحدث بأسم المجلس الرئاسي الليبي أكد في معرض نفيه بأن السراج تلقى دعوة لزيارة باريس ولكنه لم يشر الى الزمان والمكان .


تبقى الأسابيع الستة القادمة الى نهاية أكتوبر مفصلية في تحديد المسار السياسي للملف الليبي على المستوى الداخلي والدولي، وإذا ما كانت هذه المحادثات المكثفة ستعذي نتائج حقيقية على الأرض

وحدةرصد الأزمات الدولية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org