زيارة ماكرون لبيروت "الأهداف والصعوبات" ،تأكيد على دور فرنسي أكبر وجهود نحو تحقيق الإصلاحات المطلوبة


تحليل الحدث / وحدة الدراسات الأورومتوسطية

وصل الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت اليوم في زيارة قد تكون مفصلية في ظل الأوضاع الكارثية التي يمر بها لبنان عقب الانفجار الضخم الذي هز مرفأ بيروت وتسبب بسقوط أكثر من 100 قتيل وألاف الجرحى، وخسائر اقتصادية تجاوزت أكثر من 7 مليارات دولار .


زيارة ماكرون تهدف الى تقديم الدعم الفرنسي للبنان وايصال رسالة سياسية مهمة وهي " أن لبنان ليس وحيدا " ويبدو بأن فرنسا عازمة على انقاذ لبنان وعدم تركه لمصيره، وخاصة أن الجهود الفرنسية بدأت قبل وقوع كارثة تفجير بيروت حيث كانت هناك زيارة مهمة لوزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان استهدفت حث المسؤولين البنانيين على اجراء الاصلاحات المطلوبة من أجل تقديم الدعم الاقتصادي الدولي اللازم للبنان.


تحركات ماكرون و وزير خارجيته جان ايف لودريان تحظى بتشجيع كافة الأحزاب السياسية الفرنسية وفي ظل كارثة بيروت عبرت الأحزاب الفرنسية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار عن تضامنها ودعمها للبنان "البلد الصديق لفرنسا" وهذا ما قد يعطي دفعة أيضا لماكرون في جهوده نحو الدفع بدور فرنسي أكبر في الشرق الأوسط عبر البوابة اللبنانية وأيضا حشد الجهود الدولية لانقاذ لبنان من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي يمر بها .

وتزامناً مع وصوله، غرّد الرئيس عبر تويتر معلناً تأكيده على التضامن الفرنسي مع لبنان وكتب بالعربية: "لبنان ليس وحيداً".


كما أضاف ماكرون في تصريحات صحافية أدلى بها حال وصوله، أن بلاده ستقدم مساعدات غير مشروطة للبنانيين، موجهاً كلمات العزاء لكل أهالي الضحايا والمفقودين إثر الحادث الأليم.

وأعلن أن فرنسا ستنسق مع الأمم المتحدة كي يستفيد منها كل أبناء لبنان، مؤكداً أنها لن تترك بيروت بمفردها.


وأكد ماكرون في بداية زيارته الى بيروت أنه لا يمكن إجراء إصلاحات في لبنان مع وجود فساد، مؤكداً أنه سيخوض حواراً صريحاً مع المعنيين لتحديد المسؤوليات.

وأشار إلى أن الضحية الأولى بهذه المأساة هو الشعب اللبناني، لأن بيروت باتت تواجه أزمة سياسية واقتصادية أكبر من قبل.

الأهداف والصعوبات لزيارة ماكرون …

يمكن أن تتلخص أهداف زيارة الرئيس الفرنسي الى بيروت بعدة نقاط مهمة، ولكن يمكن القول بأن أهداف الزيارة ستنقسم بين قصيرة وطويلة الأمد .


ـ تقديم الدعم الإنساني والاقتصادي السريع الى لبنان في مواجهة كارثة انفجار بيروت .

ـ التأكيد على أن فرنسا تقف الى جانب لبنان وأن باريس عازمة على مساعدة لبنان في مواجهة الكارثة الاقتصادية التي يمر بها، وأن لا نية لدى فرنسا بالتخلي عن لبنان وتركه ساحة للأخرين مهما كانت الظروف .

ـ لقاء كافة الأفرقاء السياسيين في لبنان والتأكيد على أن الأوضاع وصلت الى مرحلة صعبة جدا ولا يمكن لفرنسا الوقوف متفرجة .

ـ الدفع نحو تعديل سياسة الحكومة اللبنانية وتنفيذ الاصلاحات المطلوبة التي يحتاجها لبنان لتلقي المساعدات الدولية وخاصة صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر .

هذه الأهداف قصيرة الأمد التي سيحاول ماكرون تحقيقها في زيارته الى لبنان ، وايصال رسالة الى الأفرقاء السياسيين في بيروت بأن فرنسا ستحتاج الى تغييرات حقيقية في لبنان حتى تستطيع المساعدة وحشد الدعم الاقتصادي اللازم للخروج من الأزمة .


تبقى الأهداف طويلة الأمد وربما يقوم ماكرون بطرحها في اجتماعاته مع السياسيين اللبنانيين ولكنها لن تكون ذات أهمية كبرى في النقاشات الأن بل سيتم تأجيلها الى مراحل لاحقة وهي تتعلق بالسياسات الخارجية اللبنانية وملف الدور الايراني في لبنان وضرورة العودة الى سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الأقليمية .

العوائق والصعوبات …

على الرغم من اللغة الايجابية التي انتهجها ماكرون و وزير خارجيته جان ايف لودريان في التعاطي مع أزمة لبنان إلا أن مهمة ماكرون لن تكون سهلة على الإطلاق، ولا زالت أصداء فشل زيارة وزير الخارجية لودريان الى بيروت قائمة وكانت استقالة وزير الخارجية اللبناني "ناصيف حتي" حاضرة في الأيام الأخيرة كنتيجة لفشل جهود لودريان حيث أشار "حتي" في بيان استقالته بأن آماله كانت كبيرة بالتغيير والإصلاح ولكن الواقع أجهض كل الجهود المبذولة لذلك .

وبالتالي فإن ماكرون سيحتاج الى كثير من الجهد في محاولة دفع مسؤولي السلطة في لبنان نحو تحقيق الإصلاحات اللازمة لتتمكن فرنسا من تقديم المساعدة الاقتصادية اللازمة للخروج من الأزمة والأهم قيادة الجهود الدولية نحو تفعيل قرارات مؤتمر "سيدر" وتقديم الدعم اللازم من صندوق النقد الدولي .


مشكلة أخرى ستواجه الرئيس ماكرون وهي التعاطي مع الولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب التي تمارس الضغط الأقصى على لبنان في هذه المرحلة بسبب ما تصفه إدارة ترامب بتعاظم للدور الإيراني في لبنان عبر حليفه حزب الله، والاتهامات المتعلقة بأن لبنان بات بوابة للتهرب من العقوبات المفروضة على النظام السوري .


وبالتالي إذا ما حصل ماكرون على ما يريده من السياسيين والسلطة في لبنان من أجل التحرك دوليا لمساعدة لبنان فإنه سيكون أمام مهمة لن تكون أقل صعوبة وهي اقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته على أن فرنسا قادرة على الامساك بالملف اللبناني وإدارته بما يتناسب مع السياسات الدولية، وأيضا مواجهة الدور الايراني المتصاعد في لبنان وهي نقطة مهمة بالنسبة للولايات المتحدة إذا ما قررت السماح لفرنسا بالتحرك دوليا لتقديم الدعم الاقتصادي اللازم للبنان .


وإذا ما حصل ماكرون على صيغة توافقية و وعود حقيقية بالإصلاح من الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان فإن مهمة اقناع ترامب ستكون سهلة بالنسبة له ولكنه سيكون أمام مسؤولية وصعوبة إدارة الملف اللبناني بكل تفاصيله وتعقيداته وهنا يجب أن نرى عودة للدور الفرنسي الكبير في السياسة اللبنانية وهذا ممكن ولكنه صعب في الوقت الحالي .

في ظل كل المعطيات الحالية تبدو مهمة ماكرون غير سهلة ولكنها ممكنة والرهان الأن هو على تراجع الطبقة السياسية التي تعيق تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في لبنان سواء داخليا أو خارجياُ، وبالنظر الى الانهيار الاقتصادي الكبير الذي تسبب باحتجاجات شعبية غير مسبوقة فمن الممكن أن تتراجع الطبقة السياسية التقليدية خطوة الى الخلف وأن تفسح المجال نحو تشكيل حكومة تكنوقراط من ذوي الخبرة وأصحاب الكفاءات لتعبر بلبنان من هذه الأزمة الغير مسبوقة

تبقى الإرادة الدولية في تقديم المساعدة محكومة بما سيتحقق من إصلاحات داخلية وخارجية في لبنان حتى يتحرك المجتمع الدولي لتقديم المساعدة العاجلة عبر ثلاثة محاور وهي:


ـ تنفيذ مخرجات مؤتمر سيدر وتقديم ال 11 مليار دولار التي تم الاتفاق عليها .

ـ تقديم الدعم العاجل من صندوق النقد الدولي بما يحتاجه لبنان من قروض .

ـ تخفيف العقوبات الدولية المفروضة على النظام المصرفي في لبنان وتهدئة الضغط الأمريكي الأقصى الذي تمارسه إدارة ترامب .


إذا ما تم الوصول الى صيغة توافقية بين الرئيس الفرنسي والسياسيين اللبنانيين للدفع نحو تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وتعديل بعض السياسات اللبنانية الخارجية فإن فرنسا ستستطيع تقديم المساعدة المطلوبة وحشد الدعم الدولي بسرعة .

إما إذا ما فشلت جهود ماكرون فإن الوضع سيكون كارثي على المدى المتوسط بالنسبة للبنان فعلى الرغم من المساعدات الدولية السريعة والتضامن الكبير مع كارثة بيروت إلا أن لبنان يحتاج الى دعم اقتصادي دولي كبير وغير مسبوق للخروج من أزمته المستمرة منذ 3 سنوات .


ويمكن أن تتلخص أزمة لبنان بجملة تتردد كثيرا في الأوساط الدبلوماسية الدولية بما يتعلق بعمل الحكومة والأحزاب السياسية وهي " الإصلاح أو المعاناة "