تبعات الهجمات السيبرانية على أمريكا،، الناتو يفحص أنظمته الدفاعية، وأوروبا ستبدأ بمراجعة حساباتها


وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف الاتحاد الأوروبي والناتو

باريس-واشنطن-بروكسل 20 ديسمبر 2020 : تتفاعل قضية الهجوم السيبراني الذي تعرضت له الولايات المتحدة والذي ضرب عدة قطاعات ومؤسسات حكومية مهمة لتنتقل الى منظومة حلف الناتو والمفوضية الأوروبية .

حيث أكّد حلف شمال الأطلسي السبت أنّه يفحص أنظمته للكومبيوتر بعد هجوم إلكتروني واسع النطاق على وكالات حكومية أميركية وأخرى خارج البلاد، وجّهت واشنطن أصابع الاتهام فيها تجاه روسيا.


ونجح القراصنة في اختراق برنامج "أونيون" الذي تنتجه شركة "سولار ويندز" والمستعمل في إدارة الشبكات المعلوماتية للشركات الكبرى والإدارات.

وأفاد مسؤول في حلف شمال الأطلسي وكالة فرانس برس "راهنا، لم يتم العثور على أي دليل على خطر ضد أي من شبكات الناتو. يواصل خبراؤنا تقييم الوضع بهدف تحديد وتخفيف أي مخاطر محتملة على شبكاتنا".


ـ مايكروسوفت في عين العاصفة ..

وأفادت شركة "مايكروسوفت" الخميس أنها أعلمت أكثر من 40 زبونا تضرروا من البرنامج الذي استعمله القراصنة والذي قد يتيح لهم النفاذ إلى شبكات الضحايا.

وقال مسؤول الحلف إنّ المنظمة التي تتخذ من بلجيكا مقراً لها تستخدم برنامج "سولار ويندز" في بعض أنظمتها.

وتابع المسؤول، الذي لم يتم الكشف عن هويته بما يتماشى مع سياسة الحلف، "لدى الناتو أيضا فرق رد سريع إلكتروني على أهبة الاستعداد لمساعدة الحلفاء على مدار 24 ساعة في اليوم".


وعلى صلة بالمسألة، أعلنت المفوضية الأوروبية السبت أنها "تحلل الموقف" رغم عدم تسجيلها "أي تأثير على أنظمتنا".

وقال رئيس شركة مايكروسوفت براد سميث على مدونتها إن "نحو 80 بالمئة من هؤلاء الزبائن يوجدون في الولايات المتحدة، لكننا تمكنا أيضا في هذه المرحلة من تحديد ضحايا في عدة دول أخرى".


والدول المعنية هي كندا والمكسيك وبلجيكا وإسبانيا والمملكة المتحدة وإسرائيل والإمارات.

وأضاف سميث أن "عدد الضحايا في الدول المتضررة سيواصل الارتفاع، هذا مؤكد".

والجمعة، قال وزير الخارجية الأميريكي مايك بومبيو "الآن يمكننا أن نقول بشكل واضح جدا أن الروس" يقفون وراء ذلك الهجوم.

ولكن تغريدة بومبيو قابلتها تغريدة مثيرة للجدل من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قلل فيها من أهمية الهجوم ودافع عن روسيا مقابل توجيه اتهامات للصين .


وقالت شركة سولار ويندز إن ما يصل إلى 18 ألف عميل، بما في ذلك الوكالات الحكومية وشركات قائمة فورتن 500، قاموا بتنزيل تحديثات البرامج المخترق، ما يسمح للقراصنة بالتجسس على تبادل رسائل البريد الإلكتروني.

ـ اتهامات لروسيا والصين وأضرار قد تمتد لسنوات ..

تم تقييم الأضرار الأولية بأنها كبيرة لما فيه الكفاية لتمتد هذه لسنوات قادمة ولا يمكن معرفة الأضرار الحقيقية إلا بعد فترة طويلة من التقييم والفحص من قبل الخبراء لمدى اختراق الهجمات والضرر المباشر الذي تسببت به لمؤسسات أمريكية على قدر كبير من الأهمية .


ولا تكمن المشكلة بالهجمات بحد ذاتها بقدر ما تتعلق بالقطاعات التي استهدفتها بوقت واحد و وقت حساس جدا يعتبر معقد بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مابين انتهاء فترة ولاية ترمب وبداية فترة بايدن الرئاسية، واستهداف جهات سيادية مهمة للغاية مثل الاستخبارات والخزانة الأمريكية وهيئات متعلقة بإدارة الأسلحة النووية بالإضافة الى العديد من القطاعات الاقتصادية والعسكرية في البلاد .

لم تتأخر الاتهامات الأمريكية كثيرا حتى توجهت الى روسيا عبر العديد من المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو .

حيث قال بومبيو إن الروس يقفون خلف الهجمات الإلكترونية واسعة النطاق التي استهدفت وكالات حكومية أميركية، في حين توعد الرئيس المنتخب جو بايدن بالرد على هذه الهجمات، ووسط حالة استياء داخل الكونغرس من إدارة الرئيس دونالد ترامب للمسألة.

وصرّح بومبيو لبرنامج "ذي مارك ليفين شو" الجمعة "الآن يمكننا أن نقول بشكل واضح جدا إن الروس" يقفون وراء ذلك الهجوم.

ويأتي هذا الإقرار بعد أن اتهم مسؤولون أميركيون موسكو بالوقوف وراء الهجمات التي قالت مصادر أميركية إنها بدأت منذ مارس/آذار الماضي ولا تزال مستمرة.

بيد أن موسكو نفت ضلوعها في عمليات القرصنة، وأبدت استعدادها للتعاون مع واشنطن بهذا الشأن.


وكان براين مورغنستيرن نائب المتحدث باسم البيت الأبيض قد أكد أن الرئيس ترامب يعمل بشكل جاد، ويتلقى الإحاطة اللازمة فيما يتعلق بالهجوم.

وأضاف مورغنستيرن أن مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين يُجري لقاءات متواصلة مع الجهات الأمنية المعنية للحد من تبعات الهجوم.


وقال إنه تم تشكيل فرقٍ للتعامل مع الهجوم تضم مكتب التحقيقات الفدرالي "إف بي آي" (FBI) ووزارة الأمن الداخلي ووكالة الأمن القومي.

ـ ترمب يغرد خارج السرب ..

اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يغرد خارج السرب وينفي الاتهامات بالهجوم عن روسيا ليشير الى الصين، واستخدم ترمب لغته المفضلة في انتقاد وسائل الإعلام الأمريكية "المزيفة" بحسب وصفه، واتهمها بأنها لا تشير الى الصين نظرا لحسابات مالية .

وعلى الرغم من غرابة الطرح الذي تقدم به دونالد ترمب إلا أن هذه الفرضية لا يمكن استبعادها فالصين لديها مصالح في شن مثل هذا الهجوم ولكن السؤال الأهم: هل تجرؤ على ذلك في الوقت الحالي؟.

الأمر مستبعد في هذه المرحلة الحساسة في تاريخ العلاقات بين الجانبين ، فالصين تريد التهدئة مع واشنطن في الوقت الحالي من أجل إفساح المجال أمام جو بايدن لإنهاء الحرب التجارية التي استمرت لسنوات بين الجانبين .


ولكن التهمة لا يمكن نفيها عن الصين بكل الأحوال خصوصا بأن وكالة الاستخبارات الصينية لا زالت كالتنين الرابض وتنتظر الفرصة لإثبات قوتها وسطوتها حول العالم خاصة في المجال التكنولوجي والسيبراني الذي تلقت فيه ضربات كثيرة من إدارة ترمب خصوصا بما يتعلق بعملاق التكنولوجيا الصيني "هواوي" ودخوله في مشاريع البنية التحتية لما يتعلق بشبكة الجيل الخامس التي دخلت هواوي بمشاريع كبرى مع دول فاعلة على الرغم من إيقاف نشاطها في معظم الدول الأوروبية .



ـ الدول الأوروبية ستراجع حساباتها ..

من المنتظر أن تراجع الدول الأوروبية حساباتها بما يتعلق بالأمن السيبراني وخصوصا ارتباط الأنظمة الإلكترونية في حلف الناتو والتي تتمتع الولايات المتحدة بارتباط وثيق مع قطاعها التكنولوجي، كما أن الاختراق الذي حدث لشركة التكنولوجيا الأمريكية " مايكروسوفت " سيغير من استراتيجيات الدول الأوروبية في الاعتماد على الأنظمة والشركات الأمريكية في البنية التحتيةو وهذا المشروع ستتبناه فرنسا التي لا ترى فعالية لحلف الناتو من الأساس .

وفي ظل التغييرات في السياسات الدفاعية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي يبدو بأن هذا الهجوم والاختراق أتى في الوقت المناسب من أجل الدفع نحو تغيير في سياسات الارتباط والبنية التحتية التكنولوجية والسيبرانية في الاتحاد الأوروبي .

ويمكن العمل على تقليص دور الشركات التكنولوجية الأمريكية العملاقة التي تعمل داخل الاتحاد الأوروبي بمقابل الاعتماد على شركات أوروبية خالصة وهناك قطاع مهم من هذه الشركات في كل من ألمانيا والسويد وفرنسا وفنلندا، ويمكن العمل على تطويرها خلال الخمس سنوات القادمة لبناء نظام أوروبي داخلي أوروبي متكامل في الفترة القادمة .

ويأتي قرار الاتحاد الأوروبي بإيقاف شركة " هواوي " عن القيام بدور كبير في مشاريع البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس في دول الاتحاد الأوروبي وإسنادها لشركات تكنولوجية أوروبية في مثل نوكيا وسيمنس وإزيكسون خطوة في الاتجاه الصحيح .

وهذه الخطوة مهمة جدا واستباقية بما يتعلق بحماية النظام التكنولوجي الأوروبي والبنية التحتية التكنولوجية للمنظومة الأوروبية .

وفي كل الاتجاهات تبدو الحروب القادمة ستأخد طابع الحرب السيبرانية بعد أن تحولت من حروب عسكرية الى حروب اقتصاية ثم أخيرا حروب سيبرانية، ويمكن اعتبار الهجوم على الولايات المتحدة هو أول هذه المعارك التي انتصر فيها المهاجمين سواء كانت روسيا أو الصين، وسيكون هناك رد أمريكي أكيد بحسب وعد جو بايدن.

وعلى دول الاتحاد الأوروبي الاستعداد جيدا لخوض هذه الحرب في المستقبل القريب .

وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف الناتو والاتحاد الأوروبي

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org