عقوبات أوروبية أمريكية مزدوجة على تركيا،،الانعكاسات على الملفات الدولية الساخنة "ليبيا وشرق المتوسط"


وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف العلاقات الأوروبية التركية

باريس 16 ديسمبر 2020. تفاعل ملف العقوبات الأوروبية الأمريكية المزدوجة على تركيا، وحدث السيناريو الأكثر سوء في ملف العلاقات الدبلوماسية بين الأطراف المتحالفة تحت مظلة الناتو، فقد اتفق القادة الأوروبيون في موقف موحد على فرض عقوبات على تركيا وإن كانت هذه العقوبات مخففة ولكنها فتحت باب العقوبات والإجماع الأوروبي الذي كان مفقود في السابق وخاصة بعد تحول الموقف الألماني الذي كان يميل الى الدبلوماسية مع أنقرة .


تزامن هذه العقوبات أتى مع فرض عقوبات أمريكية على رئاسة صناعات الدفاع التركية بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400، بدعوى أن الصفقة ستعرض أمن التكنولوجيا العسكرية الأمريكية والعسكريين الأمريكيين للخطر.


حيث قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات على "إدارة الصناعات الدفاعية" وهي الوكالة الحكومية التركية المكلفة شراء الأسلحة لحيازة أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية من طراز "إس-400"، وفق ما أعلن وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو الاثنين (14 كانون الأول/ديسمبر 2020).


وقال بومبيو في بيان إن "الإجراءات التي اتخذت اليوم تبعث برسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة ستطبّق (القانون الأميركي) بشكل كامل ولن تتساهل حيال أي صفقات كبيرة تتم مع قطاعي الدفاع والاستخبارات الروسيين".

وأضاف بومبيو إن "الولايات المتحدة أوضحت لتركيا على أعلى المستويات في مناسبات عديدة أن شراءها لمنظومة إس-400 سيشكّل خطراً على أمن التكنولوجيا العسكرية الأميركية والعاملين فيها وسيوفر تمويلاً كبيراً لقطاع الدفاع الروسي، ولوصول الروس إلى القوات المسلحة التركية وقطاعها الدفاعي".


وسارعت تركيا الى التنديد بالعقوبات وقالت وزارة خارجيتها "ندعو الولايات المتحدة الى اعادة النظر في هذا القرار غير المنصف (...) ونكرر استعدادنا لبحث القضية عبر الحوار والدبلوماسية، انسجاماً مع روح التحالف".

ونبه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الى أن فرض العقوبات سيكون خطوة "تفتقد إلى الاحترام" بينما مضت حكومته قدما بإجراء اختبارات على المنظومة الروسية.

ـ عقوبات أوروبية أمريكية مزدوجة وتنسيق مستقبلي ..

الخطورة لا تكمن في العقوبات التي تم فرضها من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فالعقوبات من الجهتين ليست مؤثرة بشكل كبير على الاقتصاد التركي وإن كانت العقوبات العسكرية الأمريكية موجعة لأنقرة .


ولكن الخطورة تكمن في التنسيق الدبلوماسي الأوروبي الأمريكي المنتظر بعد تسلم جو بايدن لمهامه في البيت الأبيض في 20 يناير القادم، ويبدو بأن إدارة ترمب سبقته في ذلك وبدأت بفرض العقوبات بما يتعلق بمنظومة S400 .


وماحدث من العقوبات المزدوجة المشتركة في اليومين الماضيين هو بروفه مصغرة لما يمكن أن يحدث في مارس القادم موعد انعقاد القمة الأوروبية المقبلة المققر فيها فرض عقوبات أوسع على أنقرة في حال لم يهدأ التصعيد بين الجانبين التركي والأوروبي .


وقد أعطئ القادة الأوروبيين تفويضا لمسؤول السياسة الخارجية جوزيب بوريل لإعدا قائمة بعقوبات قطاعية أوسع وأشد تأثيرا لإقرارها على أنقرة، وبالتأكيد فإن هذه العقوبات ستكون مزدوجة أيضا مع عقوبات أمريكية قد تفرضها إدارة جو بايدن في مارس القادم .


ـ ملف صادرات الأسلحة الألمانية والأوروبية الى تركيا ..


ملف أخر مهم طرحته أنغيلا ميركل في إجابتها على سؤال حول صادرات الأسلحة على تركيا عندما ردت بأن هذا الملف سيتم بحثه في إطار حلف الناتو مع الإدارة الأمريكية الجديدة، كما أن قضية صادرات الأسلحة الألمانية سيتم بحثها أيضا بعد انتظار تقرير متصل بهذا الشأن .

وبالتالي فإن الملفات مرشحة للتصعيد بشكل أكبر في الفترة القادمة بين الجانبين الأوروبي والتركي من جهة والأمريكي والتركي من جهة أخرى، وفي ظل الدفع من قبل فرنسا والولايات المتحدة بالإضافة الى تغير الموقف الألماني فإن الوضع قد يكون بالغ السوء في مارس القادم إذا لم يتم التوصل الى حلول مرضية بما يتعلق بالقضايا الخلافية بين جميع الأطراف .


والأمر لم يعد يتعلق بعقوبات اقتصادية فقط بل وصل الى حد العقوبات العسكرية وقد يمتد الى صادرات الأسلحة والبدء بمراجعة العلاقات الأوروبية التركية بشكل موسع بما يشمل الاتحادات الجمركية وكل ما يتعلق بالعلاقات بين الطرفين الأوروبي والأمريكي من جهة والطرف التركي من جهة أخرى .


ـ انعكاسات على الملفات الدولية الساخنة ..


ستكون الملفات الدولية الساخنة تحت وطأة التأثر بالغيرات الجارية بما يتعلق بسياسة فرض العقوبات الأوروبية الأمريكية، وسنكون أمام تسخين لهذه الملفات واستعراض لأوراق الضغط من قبل تركيا، بالإضافة الى رد من الجهة الأخرى وضغط من قبل الأوروبيين والأمريكيين .


وسيكون الملف الليبي هو أول الملفات التي ستتأثر بالتغيرات الحالية، فالموقف الأمريكي سيتخلى عن الحياد والضبابية التي تميز بها في فترة دونالد ترمب، وقد نرى تنسيق أمريكي أوروبي قوي بمواجهة تنسيق تركي روسي بهذا الشأن، وفي ميزان القوى الدولية والإقليمية فإن أوراق الضغط الأوروبية والأمريكية تبدو أقوى في هذه المرحلة .


أما فيما يتعلق بملف شرق المتوسط فإنه سيكون مرشح للتصعيد بشكل كبير قبل أن نذهب الى التفاوض وهو الخيار الوحيد المتاح الأن مهما طالت المواجهة بين جميع الأطراف، ولا شك بأن العقوبات المزدوجة من الجانبين الأوروبي والأمريكي ستجبر تركيا على التراجع وتعديل سياساتها في هذه المنطقة ولكن السؤال الأهم، هو متى وبأي ثمن .

كما أن أنقرة لا تبدو ضعيفة الى حد كبير وتستطيع المشاغبة وتسخين الملفات بنسبة كبيرة ولكن الأهم هو النتيجة، ومن خلال التجارب السابقة بما يتعلق بالقس الأمريكي الذي كان محتجزا في تركيا وتم الإفراج عنه بعد أول عقوبات، فإن سيناريو التراجع وتعديل السياسات يبدو الأقرب الى الواقعية السياسية .


ولكن هذه التغييرات في الموقفين الأمريكي والألماني ستكون عامل حسم كبير في كثير من الملفات سواء في شرق المتوسط أو ليبيا، وربما ستكون تركيا بين فكي كماشة عقوبات قد لا تستطيع روسيا والصين إنققاذها منها .

وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف العلاقات التركية الأوروبية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org