السلطة في ايران مابين الأزمات الداخلية وخطر العقوبات الدولية ،،، التصعيد هو الحل ؟!


تقدير موقف / مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية


حذّرت إيران من أنها قد "تعيد النظر جدياً في التزاماتها تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا لجأت الاطراف الاوروبية الموقعة على الاتفاق النووي إلى آلية حل الخلافات التي قد تؤدي الى عقوبات.

هذا التحذير الايراني أتى بعد تهديدات فرنسا بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على ايران عبر تفعيل آلية فض النزاع التي ينص عليها الاتفاق النووي في حال لم تتوقف ايران عن تقليص التزاماتها بالاتفاق النووي، وربما أن ايران بدأت تستشعر فعلياً بأن هناك خطر حقيقي عبر تغير الموقف الأوروبي والموقف الفرنسي، خاصة وأن باريس قادت جهود دبلوماسية شاقة لانقاذ الاتفاق النووي .

بالتالي فإن هذا التحول في المواقف الأوروبية قد يقود طهران الى خسارة مزدوجة، الأولى تتمثل في خسارة آلية انستكس التي كان يتم العمل عليها لتعويض العقوبات الأمريكية والتي كان من المفترض أن تضمن حوالي 20 مليار دولار من التبادلات التجارية مع طهران،

والخسارة الثانية هو خطر تفعيل آلية فض النزاع وإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة والتي ستقود الى مزيد من الصعوبات القاسية التي يعاني منها الاقتصاد الايراني وعندها سيكون خطر الانفجار الشعبي قريب جدا.

ولذلك تحاول السلطة في ايران الأن اللعب في كافة أوراقها القوية في مواجهة الأوروبيين وهي التهديد بإعادة النظر في التزاماتها تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي سيقود تلقائياً الى انهيار الاتفاق النووي، ولكن يبدو بأن الأوروبيين عزموا على اختيار المواجهة مع ايران وعدم تضييع الوقت في محادثات دبلوماسية فهموا جيداً بأنها لن تؤدي الى أي نتيجة تذكر، خاصة بعد اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك والتي عمل فيها ماكرون جاهداً لعقد لقاء بين ترامب وروحاني ولكنه فشل في ذلك.

كما أن الاشارة التي تلقتها فرنسا من الجانبين الايراني والأمريكي بأن الطرفين يمكن أن يعقدوا محادثات مباشرة بينهما بدون وساطة أو تدخل من الأوروبيون أشعرت باريس بأن هناك لعبة ما يمكن أن تجري خلف الكواليس ومن الممكن أن يخرج اتفاق ما من تحت الطاولة كما حدث عام 2015 عندما كانت تجري محادثات ايرانية أمريكية بشكل سري في مسقط.

بالتالي لا يريد الأوروبيون ولا باريس خصوصاً خسارة حلفائها في الخليج والدول العربية بمقابل تعنت ومماطلة ايرانية أحرجت الفرنسيين في أكثر من مناسبة، كما أن سياسة ايران بالابتزاز المتواصل لأوروبا بأنها ستنسحب من الاتفاق النووي إذا لم تعوضها الدول الأوروبية عن العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

ولذلك اختار الأوروبيون التواجد على الأرض والدفع بقوات أوروبية الى الخليج أعلنت عنها فرنسا لحماية الملاحة والمصالح الأوروبية، وربما سيختارون أيضا المواجهة الدبلوماسية قريباً اذا لم تغير ايران من سياساتها في المنطقة وتذهب للجلوس على طاولة المفاوضات.

لا زلت أعتقد بأن محادثات أمريكية ايرانية سرية كانت تجري خلف الكواليس بعد اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة، ولكن انفجار التظاهرات في ايران نفسها والدول التي لها نفوذ فيها مثل لبنان والعراق غيّر من هذه الخطط وأوقف المحادثات على الأقل مؤقتاً، وبالتالي فهذه هي الفرصة الذهبية للولايات المتحدة والدول الغربية والعربية للضغط على ايران بأقصى قوة دبلوماسية واقتصادية لإجبار القادة الايرانيين على تغيير سياساتهم والتراجع الى الدور الطبيعي لإيران في المنطقة وتوقيع اتفاق نووي جديد يضمن ايضاً تحجيم برنامج ايران للصواريخ البالستية.

ولكن يجب الحذر جيداً في هذه الفترة المفصلية من تطورات الأوضاع في المنطقة فيمكن أن يذهب القادة الأيرانيون الى الخيار الأسوأ وهو التصعيد الأقصى للهروب من الأزمات الداخلية والذهاب الى الانسحاب من الاتفاق النووي وإعاقة الملاحة في مضيق هرمز واشعال المواجهات العسكرية في كل من العراق ولبنان واليمن، هذا إذا لم نتحدث عن حرب عسكرية قد تبدأها ايران في منطقة الخليج.

جميع هذه الخيارات هي مستبعدة الأن فإذا كانت ايران في الوقت الحالي لا تستطيع تأمين المستلزمات الأساسية للشعب الايراني وتذهب الى رفع الأسعار ضعفين وثلاثة وهذا ما قاد الى مظاهرات حاشدة ضد السلطة في ايران، بالتالي فهي لن تستطيع الدخول في حرب عسكرية قد تكون مدمرة لإيران وتؤدي الى خسارة المرشد الأعلى والمحيطين به لسلطتهم التي عملوا على ترسيخها خلال 40 عام.

يبقى الأن انتظار نتائج العقوبات الاقتصادية والتي أتت ثمارها بشكل جيد في الفترة الماضية ولكن التصعيد من قبل قادة طهران متوقع في أي لحظة ولذلك يجب الاستعداد جيداً وخاصة إذا ما انسحبت ايران بشكل كامل من الاتفاق النووي .