قمة بروكسل بين الاتفاق النهائي ومخاطر التأجيل …خطة التعافي الاقتصادي على المحك


ناصر زهير / مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي في مركز جنيف للدراسات

لا زالت الخلافات تمنع القادة الأوروبيين من التوصل الى اتفاق نهائي حول خطة التعافي الاقتصادي المهمة لانقاذ الاقتصاد الأوروبي المتعثر نتيجة أزمة كوفيد19، وقد انتهى اليوم الأول من النقاشات بين القادة الأوروبيون بدون التوصل الى الاتفاق النهائي، ودارت نقاشات حادة بين الدول الأكثر تشددا تجاه الموافقة على اقرار الخطة التي اقترحتها المفوضية الأوروبية بقيمة 750 مليار يورو تنقسم الى 500 مليار كمنح لا ترد و250 مليار كقروض للدول الأكثر تضررا من جائحة كورونا .


وبحسب مصادر دبلوماسية فإن هولندا لا زالت الطرف الأكثر تشددا تجاه الخطة والخلافات حول آلية المساعدات هل ستكون على شكل قروض أو منح وإذا ما كانت هذه المساعدات ستكون مشروطة بإصلاحات، وبالتالي فإن هناك بوادر لتفاهم أو تليين للمواقف من الأطراف الأخرى الرافضة للاتفاق وهنا نتحدث عن السويد والدنمارك والنمسا .


وقال ماتيوس مورافيسكي رئيس وزراء بولندا يوم الجمعة إنه لم يتم التوصل لتوافق بين زعماء الاتحاد الأوروبي بشأن الصندوق المقترح للإنعاش الاقتصادي يبلغ حجمه 750 مليار يورو لانتشال اقتصادات الاتحاد من الركود الذي نجم عن جائحة فيروس كورونا.

وأضاف“ مع قدر كبير من الاحتمال ، قد لا يكون هناك اتفاق غدا أو بعد غد.

”ومع ذلك يقول البعض أنه ربما تعقد جولة أخرى في يوليو. إننا بوضوح مستعدون لذلك“.

وقال مورافيسكي إن الدول الشمالية اختلفت مع نظيراتها الجنوبية على قواعد صرف مساعدات التعافي،ومع الشرق على حجم الميزانية الأساسية للاتحاد الأوروبي للفترة من 2021 إلى 2027.

المفاوضات والنقاط الخلافية …

تدور المفاوضات حول خطة إنعاش اقتصادي بقيمة 750 مليار يورو تشكل المنح القسم الأكبر منها، إذ تتوزع بين 250 مليار يورو من القروض و500 مليار يورو من المساعدات التي لن يتحتم على الدول المستفيدة منها إعادة تسديدها.

وتضاف هذه الخطة إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي لفترة 2021-2027 البالغة قيمتها 1074 مليار يورو والتي يتحتم على القادة الاتفاق عليها في الأسابيع أو الأشهر المقبلة.

وهذه أول مرة يلتقي قادة الاتحاد الـ27 في بروكسل منذ ظهور فيروس كورونا المستجد في أوروبا وما تلاه من تدابير حجر ارغمتهم على التواصل عبر الفيديو.

وانتهى لقاؤهم الأخير في 20 شباط/فبراير بفشل رغم أن المحادثات بينهم كانت تقتصر على ميزانية الاتحاد الأوروبي لفترة 2021-2027.

رباعي الدول الرافضة لخطة الانعاش الاقتصادي …

ولا زالت تأتي المعارضة الرئيسية مرة جديدة من رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي الذي يعتبر مسؤولا جزئيا عن فشل القمة في شباط/فبراير.

وابدى روتي الذي يتزعم مجموعة الدول المؤيدة للتقشف وهي إلى جانب هولندا النمسا والدنمارك والسويد، الكثير من التحفظات على خطة الدعم الاقتصادي التي تستفيد منها في المقام الأول دول الجنوب وفي طليعتها إيطاليا وإسبانيا.

وتدعو الدول "المقتصدة" إلى خفض المساعدات وتؤيد منح قروض تعيد الدول تسديدها لاحقا. كما تطالب لقاء أي مبالغ مالية بإصلاحات في الدول المستفيدة منها.


بالتالي هذه نقطة خلافية مهمة قد تعيق أي اتفاق قادم، فالدول الأربعة تريد أن تكون المساعدات على شكل قروض وليست منح والمشكلة الأكبر أن كل دولة منهم تملك حق النقض وبالتالي إعاقة الخطة المقترحة للانعاش الاقتصادي .


دول الجنوب ترفض هذه المطالب خشية أن تضطر إلى الخضوع لخطط تفرضها دول أخرى مثلما حصل لليونان في أشدّ أزمة منطقة اليورو، ما أرغم سكانها على القيام بتضحيات أليمة.

وللسيطرة على مسار هذه الدول بطريقة أفضل، يدعو روتي إلى أن تتم المصادقة على خطط الإصلاح التي تطرحها بإجماع البلدان الـ27 وليس بغالبيتها طبقا لاقتراح شارل ميشال.

الحلول وامكانية الاتفاق …

بالتالي في ظل هذه الخلافات الكبيرة هناك عاملين أساسيين للوصول الى اتفاق وتخطي الخلافات الرئيسية وامكانية اقرار خطة الانعاش الاقتصادي .

العامل الأول : هو الضغط على الدول الرافضة لخطة الانعاش الاقتصادي المقترحة ودفعها نحو تقديم تنازلات وهذا ما شددت عليه أنغيلا ميركل في لقائها السابق مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي تبنى نفس الموقف .



وهناك امكانية أيضا للوصول الى حل وسط بين الجانبين وهو خفض قيمة المبالغ التي سيتم تقديمها كمنح وزيادة نسبة القروض لتكون مثلا 50٪ لكل جزء من الخطة البالغة 750 مليار يورو .

العامل الثاني : هو أن تتم المصادقة على خطط الإصلاح التي تطرحها المفوضية الأوروبية بغالبية الدول الأعضاء طبقا لاقتراح شارل ميشال، وإذا ما تم تبني هذه الخطة فإنها ستكون مفصلية في طريقة تعامل التكتل الأوروبي مع القضايا الأساسية والتحديات الكبرى .


ومن وجهة النظر العملية يبدو اقتراح شارل ميشال هو الأكثر فاعلية فلا يمكن اعاقة خطة انقاذ كاملة للقارة الأوروبية بسبب معارضة دول لم تتضرر بشكل كبير نتيجة جائحة كورونا .

مخاطر تأجيل الاتفاق …

يبدو في ظل الخلافات بين الزعماء الأوروبيين فإن هناك اتجاه نحو تأجيل الاتفاق النهائي لاجتماع قادم في يوليو أو ما بعده وهذا ما المح اليه رئيس الوزراء البولندي في تصريحاته بالأمس وبالتالي فإن هذه الفكرة موجودة في كواليس المحادثات .


ولكن إذا ما تم تأجيل اقرار الخطة فستكون المخاطر الاقتصادية وتأثيراتها السلبية كبيرة جدا على القارة الأوروبية، لأن الاقتصاد يخشى كثيرا من الضبابية السياسية ويتأثر بها بشكل سلبي جدا وبالتالي وجود هذه الضبابية في امكانية الاتفاق من عدمه سيعطي تأثيرات سلبية مباشرة على اقتصادات الدول الأكثر تضررا من جائحة كورونا واقتصاد الاتحاد الأوروبي بشكل عام .

ثانيا فإن الاقتصاد الأوروبي لن يحتمل مزيد من التأجيل في ظل الأرقام والبيانات السلبية التي تخرج من المؤسسات الاقتصادية الأوروبية، كما أن البنك المركزي الأوروبي لن يستطيع اتخاذ الاجراءات المناسبة لتحفيز الاقتصاد الأوروبي بدون الاتفاق النهائي حول خطة التعافي الاقتصادي، كما أن النقطة الأهم بأن الدول الأكثر تضررا اقتصاديا مثل ايطاليا واسبانيا قد تتجه الى اجراءات أخرى لدعم اقتصاداتها التي تتراجع بشكل كبير، وإن كان هذا الاحتمال لا يزال بعيدا .


وبالتالي فإن الاتفاق في هذه القمة مهم جدا لتفعيل دور المفوضية الأوروبية ودور المؤسسات الأوروبية وفاعلية الاتحاد الأوروبي وقت الأزمات، ولا مانع من التنازل من قبل الطرفين للوصول الى حلول وسط تساهم بإقرار الاتفاق .

وحدة الدراسات السياسية والاقتصادية

مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

https://www.centredegeneve.org