صفقات تنذر بخلافات أوروبية داخلية،، هل تزعزع صادرات السلاح الألماني الى تركيا استقرار شرق المتوسط


مكتب مركز جنيف للدراسات في برلين 15 نوفمبر 2020:

كشف رد إحاطة لوزارة الاقتصاد والتكنولوجيا الألمانية يؤكد تسلم سلاح البحرية التركية منذ عام 2004 معدات عسكرية ألمانية بقيمة قرابة 10 مليارات يورو. الرد الذي قدمته الوزارة لحزب (اليسار) المعارض بناء على طلب الحزب يقول إن المعدات العسكرية الألمانية التي تواظب أنقرة على شرائها من شركات ألمانية تشمل فرقاطات وسفنا حربية وقوارب سريعة وغواصات. ويستمد هذا التعاون العسكري زخمه من كون تركيا واحدة الدول التي بدأ اهتمامها بالسلاح الألماني قبل عقود وما زالت لغاية اليوم تصنع غواصات على الأرضي التركية برخص ممنوحة من ألمانيا. وتستند سياسة حكومة برلين لتصدير السلاح إلى تركيا لعقيدة مهندس المدرسة الحديثة للسياسة الخارجية الألمانية، وزير الخارجية الاتحادي الأسبق هانس ديتريش غينشر الذي وضع شعار السماح بتصدير "كل شيء يسبح" إلى تركيا.


يعود اهتمام تركيا بالغواصات الألمانية لعام 1963 عندما طلبت أنقرة شراء غواصة من طراز 209 ولكن هذه المساعي اصطدمت بمعارضة شديدة من اليونان لغاية الاتفاق على بيع الغواصات المشار إليها لكلا البلدين. وبالفعل، حصلت اليونان في عام 1971 على الغواصات الألمانية رغم النظام العسكري الذي بقي جاثما على صدور اليونانيين حتى عام 1974. ولكن هذا ينطبق أيضا على تركيا التي بدأت شركة "كي دي دبليو" بتصنيع أول غواصة لها في وقت كان فيه انقلابيون يسيطرون على مقاليد السلطة في أنقرة. قيام ألمانيا بتسليم كلا البلدين معدات عسكرية في هذه الظروف السياسية التي لا يتماشى مع القيم الألمانية ويعتبر إشارة واضحة على مبالغة حكومة برلين في البرغماتية عندما يتعلق الموضوع بمصالحها الاقتصادية. وواصلت الحكومات الألمانية المتعاقبة على إصدار التراخيص اللازمة لصناعة هذه الغواصات رغم وقوف تركيا واليونان في عام 1996 على شفى حرب بسبب النزاع على جزيرتين غير مأهولتين.


في الوقت الراهن، تملك تركيا عددا لا يستهان به من السفن الحربية الألمانية. جزء لا باس به من هذه السفن يتم تصنيعه على الأراضي التركية وتحديدا في مصنع " غولوشوك نافال شيبياردس" جنوب شرق إسطنبول بتراخيص ممنوحة من ألمانيا أو بدعم من شركات تسلح ألمانية. وبفضل ألمانيا، تمتلك تركيا في الوقت الراهن 12 غواصة قديمة من صناعة الشركة الألمانية العملاقة (توسن كروب) و8 فرقاطات رخصتها شركة (بلوم و فوس) وتم صناعتها في مصنع "غولشوك" بتركيا إضافة إلى 20 قاربا سريعا تم تصنيعها في بالقرب من مدينة بريمن في شمال ألمانيا وبضعة قوارب للبحث عن ألغام. علاوة على ذلك، تواصل شركة "تي كي إم إس" صناعة 6 غواصات حصلت تركيا على النسخة الأولى منها.

وبحسب بيانات وزارة الاقتصاد الألمانية فإن تركيا تصدرت في العام الماضي والعام الذي سبقه لائحة الدول المستوردة للسلاح الألماني بقيمة 344 مليون يورو و 242 مليون يورو على التوالي. إذا تشير هذه البيانات إلى أن ثلث الأسلحة الألمانية يذهب لتركيا.

يشار إلى أن توغل الجيش التركي في أكتوبر من عام 2019 في سوريا كان سببا في اتخاذ الحكومة الألمانية قرارا بوقف جزئي لتصدير الأسلحة لتركيا ولكن هذا الحظر لم يشمل إلا الأسلحة المستخدمة في الحرب في سوريا.


وفي وقت تتعرض فيه صادرات الأسلحة الألمانية للقوات البرية التركية بين الحين والآخر لانتقادات لاذعة من قبل الإعلام الألماني والأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، تقلل الحكومة الألمانية فيه من أهمية تصدير الأسلحة للبحرية التركية. وتعتمد الحكومة الألمانية في سياسة التقليل من أهمية تزويد البحرية التركية بالسلاح على قاعدة كان وزير الخارجية الألماني الأسبق هانس ديتريش غينشر قد وضعها قبل عقود وهي السماح لتركيا بالحصول على "كل شيء يسبح" بحسب تعبير الوزير الذي يعد من أبرز وزراء الخارجية الألمان. وعزا غينشر هذه القاعدة في حينها لعدم تنفيذ البحرية التركية عمليات عسكرية كبيرة. ولكن بقاء الحكومة الألمانية الحالية متمسكة بهذه القاعدة رغم التغييرات الجذرية التي طرأت على سلاح البحرية التركي في الأعوام الماضية يشير بوضوح إلى تقديم حكومة برلين مصالحها الاقتصادية على أية اعتبارات أخرى. فتركيا تسعى منذ أعوام في استعادة وزنها الإقليمي ولهذا تدرك أنقرة حاجتها الماسة لسلاح بحرية قوي. وكل ذلك يأتي في إطار الاستراتيجية التركية الجديدة (الوطن الأزراق) " التي لا يخفي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السعي إلى تحقيقها.

ـ تهديد لاستقرار أوروبا وخلافات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي


وتصطدم هذه الاستراتيجية بالطبع بدولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي اليونان وقبرص. فالصراع الذي تشهده منطقة شرق المتوسط منذ أشهر يعد شاهدا واضحا على احتمال نشوب نزاع مسلح في أي وقت قد تستخدم فيه تركيا أسلحة ألمانية ضد البلدين الأوروبيين. وهذه المخاوف عبر عنها وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس الذي قال مؤخرا "تركيا تهدد اليونان بأسلحة ألمانية (...) لا تعطوا تركيا أسلحة تستطيع من خلالها زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بكاملها" في إشارة منه إلى ألمانيا. وتواصل ألمانيا التي تترأس في الوقت الراهن المجلس الأوروبي وتتصدر الدول الأوروبية الرامية إلى التوصل لحل للصراع، تواصل تصدير الأسلحة المذكورة لتركيا رغم أن ذلك قد يهدد استقرار دول أوروبية ويضرب وحدة الاتحاد الأوروبي.

عدم وقوف الحكومة اليونانية مكتوفة الأيدي حيال الصراع في شرق المتوسط أمر متوقع. إذ أعلن رئيس الوزراء اليوناني مؤخرا خطة لتحديث 8 غواصات ألمانية وشراء 18 مقاتلة فرنسية من طراز "رافال" إضافة إلى مساع لتحديث النظام الدفاعي الصاروخي "توربيدوس" والاعتماد أكثر على الذات بخصوص تصنيع الأسلحة. ووفق المسؤول اليوناني فإنه سيتم في السنوات الخمس المقبلة إضافة 15 ألف جندي جديد للقوات البرية اليونانية.

بهذه السياسة، لا تخاطر ألمانيا بضرب وحدة الاتحاد الأوروبي وتعريض أمن دولتين أوروبيتين (اليونان وقبرص) للخطر فحسب، بل أيضا بتواصل الخلافات مع الحليف الأول لها وهي فرنسا. إذا أنه في حين تذهب الحكومة الفرنسية في سياس أكثر تشددا تجاه تركيا في شرق المتوسط وليبيا، تفضل ألمانيا الإبقاء على قنوات الاتصال مع الرئاسة التركية لأسباب برغماتية أهمها: المحافظة على العلاقات الاقتصادية والتجارية المتميزة مع أنقرة وترغيب الرئاسة التركية في المحافظة على اتفاق اللجوء الذي وقعته في مارس 2016 مع الاتحاد الأوروبي وتم بموجبه إغلاق طريق البلقان أمام اللاجئين.



ولكن الجالية التركية الكبيرة في ألمانيا (3ملايين تركي وألماني من أصول تركية) تدفع ألمانيا أيضا على الإبقاء على العلاقات الجيدة مع تركيا، إضافة إلى العلاقات التاريخية المميزة التي كانت سببا في تحالف البلدين في حربين عالميتين. كل ذلك يحفز ألمانيا على المحافظة على الدفء في العلاقات مع تركيا وعلى بقاء الحكومة الألمانية ملتزمة بأحد أهم ملامح سياستها الخارجية وهي المبالغة في البرغماتية عندما يدور الحديث عن المصالح الاقتصادية.

للاطلاع على الملف بصيغة PDF

صفقات تهدد الاستقرار وتنذر بخلافات أوروب
.
Download • 2.08MB


مكتب برلين | ملف صادرات الأسلحة الألمانية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org