إنتاج فترة رئاسية ثانية …مهمة ماكرون الصعبة وتغيير الطاقم الوزاري في فرنسا .


ناصر زهير / مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

قدم رئيس الوزراء الفرنسي ادوار فيليب استقالته كما كان متوقعا بعد الانتخابات البلدية الفرنسية، وتعتبر هذه الخطوة مؤشر على عزم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إنتاج فترة رئاسية ثانية كما يشاع في العرف السياسي والتحضير لنيل ثقة الفرنسيين لانتخابه مرة أخرى بعد عامين من الأن، ولكن المشاكل التي تواجه الرئيس ماكرون وحكومته المقبلة ستكون مضاعفة عن تلك التي كان يتحضر لها قبل جائحة كورونا .


وأعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان لها تعيين جان كاستكس رئيسا جديدا للوزراء، خلفا لإدوار فيليب المستقيل، وتم تكليفه تشكيل حكومة جديدة.

وكان كاستكس البالغ من العمر 55 عاما مساعدا سابقا للرئيس نيكولا ساركوزي (2007-2012)، وهو ينتمي لحزب "الجمهوريين" ويرأس بلدية براد في جنوب غرب فرنسا، كما عُين منذ نيسان/أبريل مفوضا مشتركا بين الوزارات لشؤون رفع إجراءات العزل.

الأن تم تغيير ادوار فيليب الذي كان ينظر اليه بأنه كبش الفداء الذي سيتحمل كل التبعات السلبية للقرارات الاقتصادية التي أغضبت الفرنسيين وتسببت بموجة الاحتجاجات الكبيرة التي سميت بالسترات الصفراء، وأيضا ما ترتب عن الاضرابات التي قامت بها النقابات في مواجهة إقرار قانون التقاعد .


ومن الجهة العملية فإن المرحلة الصعبة من قرارات ماكرون قد انتهت "هذا المفروض" ولكن لا نعلم مفاجآت وتوجهات الحكومة الجديدة ولكن لا أتوقع تغيرا كبيرا نظرا لأن ماكرون هو من يمسك بملف الإصلاح الاقتصادي بشكل شخصي، ومعظم القرارات الاقتصادية التي تم اقرارها سواء تم تنفيذها أو التراجع عنها كانت بشكل أو بأخر من بنات أفكار ماكرون نفسه، وبعد هذه التغييرات الوزارية والنتائج السلبية للحزب الحاكم في الانتخابات البلدية الأخيرة، يمكن أن نقول بأن ماكرون سيتجه الى العمل على نيل رضا الناخبين الفرنسيين للوصول الى فترة رئاسية ثانية، ولكن الوقت قد لا يسعف ماكرون في ظل الضربات الكبرى والمفاجئة التي وجهتها جائحة كورونا للاقتصاد الفرنسي .

تأثيرات كورونا الاقتصادية .. سيف ذو حدين .


يمكن أن ننظر الى جائحة كورونا والأضرار الاقتصادية الكبيرة التي تسبت بها، بأنها سيف ذو حدين بالنسبة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وخططه الاقتصادية .

فمن جهة سببت هذه الجائحة عرقلة كبيرة للاقتصاد الفرنسي وخسائر بعشرات المليارات ستحتاج فرنسا لسنين قادمة لتعويض هذه الخسائر.


ولكن على الجهة المقابلة فإن تأثيرات هذه الجائحة ستعطي قوة ودفعة لإصلاحات الرئيس ماكرون وخططه الاقتصادية وإعادة تشكيل الاقتصاد الفرنسي بما يراه مناسبا، وهذا ما لمسناه في الاجراءات التي اتخذتها الحكومة الفرنسية بما يخص قطاعات اقتصادية مهمة مثل قطاع الطيران وقطاع صناعة السيارات وقطاعات السياحة، وكل الاجراءات التي سيتخذها ماكرون وحكومته المقبلة ستكون مقبولة لدى الفرنسيين في إطار ما بات يعرف بإعادة هيكلة الاقتصاد مابعد جائحة كورونا .


أيضا سيكون لدى ماكرون عامل مهم وهو حُزم المساعدات الاقتصادية التي أقرها الاتحاد الأوروبي والتي وصلت الى مئات المليارات وعلى دفعات متتالية ستخصص بشكل كبير الى الدول الأكثر تضررا ، وهنا نتحدث عن فرنسا وايطاليا واسبانيا وبالتالي فرنسا سيكون لها نصيب كبير في حزم المساعدات الاقتصادية والتي ستعطي أيضا دافعا لخطط ماكرون واصلاحاته الاقتصادية .

التحديات السياسية والاقتصادية …


الأمر لا يتعلق بالنسبة لماكرون وحكومته الجديدة بالملفات الداخلية فقط، بل يتعلق أيضا بملفات سياسية واقتصادية خارجية مهمة، خاصة إذا ما تحدثنا عن سياسة فرنسا الخارجية، وأيضا عن السياسات الاقتصادية للحكومة بما يتعلق الاتفاقات الاقتصادية وإعادة تشكيل التحالفات السياسية والاقتصادية بعد جائحة كورونا، وهنا ستكون خطط الحكومة الجديدة تحت المجهر وخاصة بما يتعلق بموضوع جذب الاستثمارات الاجنبية الى فرنسا .


أيضا ملف الاتحاد الأوروبي والبريكست سيكون امتحان مهم لماكرون وحكومته خاصة مع التوجه نحو إعادة رسم سياسات أوروبا الخارجية والاقتصادية بعد البريكست وخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، أيضا العلاقات مع ألمانيا الحليف الاقتصادي المهم لفرنسا ستكون عامل مهم في أداء الفريق الوزاري الجديد والرئيس ماكرون.

كل تلك الملفات الداخلية والخارجية ستكون بمثابة امتحانات متتابعة للرئيس ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الجديد جان كاستكس وفريقه الوزاري .

وإرضاء الناخبين الفرنسيين وجذب أصواتهم لانتخاب ماكرون لولاية ثانية لن يكون بالأمر السهل ولذلك يجب العمل بأقصى طاقة ممكنة لإصلاح الأزمات الداخلية وانعاش الاقتصاد وكسب الرأي العام الفرنسي خلال الفترة المتبقية من الولاية الأولى للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون .