مستقبل الملف النووي الإيراني.. أوروبا تأمل في عودة واشنطن إلى المسار الدبلوماسي مع إيران ولكن بشرطين


برلين ـ ديسمبر 2020 ـ ـ الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني 2015 (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) تضغط من أجل عودة الإدارة الأمريكية الجديدة بسرعة إلى الاتفاق النووي مع إيران. ولكن عودة إدارة جو بايدن إلى هذا الاتفاق لن تكن سهلة وسريعة كما يأمل الأوروبيون الذين يعولون على قدرة شركاتهم على استئناف أعمالها في أسرع وقت ممكن في السوق الإيرانية الواعدة.

إلى أي حد سيلتزم جو بايدن بوعد عودة بلاده إلى الاتفاق النووي؟

الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن وعد اثناء الحملة الانتخابية بإجراء تعديلات على سياسة بلاده إزاء إيران قائلا إن رجوع إيران نفسها إلى التزاماتها بالاتفاق الذي وقع في نهاية عام 2015 سيعني عودة الولايات المتحدة أيضا إلى هذا الاتفاق. وكانت إيران قد أعلنت بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب في عام 2018 من الاتفاق عن خفض سقف التزاماتها بالاتفاق النووي. فهي تمتلك الآن 2400 كلغ من اليورانيوم المخصب في حين نص اتفاق 2015 على حقها في امتلاك 300 كلغ فقط. ولكن موافقة البرلمان الإيراني قبل أيام على رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20 بالمئة يعتبر لغاية الآن أكبر خرق من طرف إيران للاتفاق.


مهمة الرئيس الأمريكي المنتخب لسيت سهلة كما يبدو. فالجمهوريون ما زالوا يمتلكون الأغلبية في الكونغرس والعودة عن “استراتيجية الضغوطات القصوى” التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب لن تكن أمرا سها لاسيما بعد وضع هذه الإدارة في أكتوبر الماضي مجمل القطاع النفطي الإيراني تحت العقوبات الأمريكية.


أوروبا … شرطان جديدان

في هذه الأثناء، تأمل ألمانيا والاتحاد الأوروبي في عودة سريعة للولايات المتحدة إلى الاتفاق وذلك انطلاقا من مصالح شركاتها التي تنتظر بفارغ الصبر العودة إلى السوق الإيرانية الواعدة. فهذه الشركات لاسيما الكبيرة منها سارعت بعد عام 2018 بالانسحاب من السوق الإيرانية على خلفية خروج إدارة دونالد ترامب من الاتفاق وتهديداته لها في حال بقيت تتعامل معه إيران وهذه الشركات لم تبدو مقتنعة بجدوى الآلية المالية الأوروبية (إنستيكس) التي أنشأها الاتحاد الأوروبي من أجل الاستغناء عن نظام (سويفت) الأمريكي للتحويلات المالية.


ولكن صحيح أن أوروبا تجهر بالتزامها باتفاق 2015 إلا أنها تشترط أولا أن تشمل المفاوضات الجديدة مع إيران دورها وسياستها في منطقة الشرق الأوسط وثانيا نظامها الصاورخي الذي لم يتطرق له اتفاق 2015. وتستند أوروبا في هذين الشرطين لمراقبات الخبراء الذين يرون أن إيران تتحول مع الوقت إلى القوة الأكبر في منطقة الخليج الأمر الذي سيعني تراجع نفوذ أوروبا والولايات المتحدة في هذه المنطقة. هذا الأمر كان واضحا في ختام اللقاء الثلاثي الذي عقده وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا قبل أسبوع في برلين عندما أجمعوا على ضرورة إلا يقتسر المسار التفاوضي مع طهران على قدراتها النووية، في إشارة منهم إلى ضرورة الحديث أيضا عن الشرطين المذكورين لاسيما أن مسؤولين أوروبيين نافذين أبرزهم المفوضة السابقة للعلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني التي قالت مؤخرا ان العودة إلى المسار الدبلوماسي مع إيران يتطلب الحديث أيضا عن هذين الشرطين وإلا فإن العودة إلى اتفاق 2015 سيكون “أمرا خياليا”. هذا كله يشير إلى إصرار الترويكا الأوروبية على ضرورة الحديث مع الإيرانيين عن سياستهم في المنطقة وأيضا عن نظامهم الصاروخي.


فرصة أوروبا في بلورة سياسة مشتركة مع الأمريكيين إزاء إيران

ولا توفر إدارة جو بايدن للأوروبيين فرصة تمرير هذين الشرطين فحسب، بل أن الاتحاد الأوروبي تتوفر له الآن فرصة نقل التعاون الأوروبي ـ الأمريكي بخصوص إيران من مرحلة الاتفاق النووي إلى مرحلة جديدة تتمثل في بلورة وتطوير سياسة أوروبية ـ أمريكية مشتركة إزاء طهران، وذلك من خلال أولا العمل على عودة المباحثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وثانيا عودة غير مشروطة لإيران إلى التزامات عام 2015 وثالثا البدء بالعمل على اتفاق جديد يحل مكان اتفاق 2015.


وهذا كله يتطلب من أوروبا البدء بإجراء مباحثات ثلاثية أمريكية أوروبية إيرانية بهدف التوصل لاتفاق مرحلي يلزم إيران بالعودة إلى التزاماتها ويمهد الطريق أمام اتفاق جديد يضمن حديث الأطراف الثلاثة عن تدخلات إيران في المنطقة من خلال دعم منظمات إرهابية وعن البرنامج الصاروخي الإيراني ولكن قبل كل شيء، يحافظ على نفوذ الأوروبيين والأمريكيين في المنطقة ويساعدهم على تلبية شروط ومطالب حلفائهم في المنطقة لاسيما الدول الخليجية.


تعويض خسائر العقوبات الأمريكية …طلب إيراني واقعي؟

كبير الدبلوماسيين الإيرانيين، وزير الخارجية جواد ظريف رحب بتصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب مؤكدا أن بلاده ستعود إلى التزاماتها بالاتفاق النووي إذا رفعت الولايات المتحدة العقوبات الأخيرة عن بلاده، ولكن جميع الإشارات القادمة من طهران تؤكد أن النخب الإيرانية ترفض الحديث عن النظام الصاروخي الإيراني. بل أن الإيرانيين يذهبون إلى أبعد من ذلك عندما يطالبون بتعويضات عن العقوبات “المخالفة للقانون الدولي” التي فرضتها إدارة دونالد ترامب على إيران رغم أن الدبلوماسية الإيرانية شبه متأكدة أن الإدارة الأمريكية الجديدة لن توافق على هذه المطالب ولكن إيران لن تتخلى بسهولة عن ورقة التعويضات. في الوقت ذاته، تعرف إيران أن تخلي الأمريكيين عن سياسة العقوبات وإقناع الأوروبيين بجدوى اتفاق 2015 وضمان رضى الجيران الخليجيين يتطلب الموافقة على تقديم تنازلات بخصوص تدخلاتها في المنطقة وكبح نظامها الصاروخي.