حكومة جونسون تطرح إجراءات خطيرة،، والأوروبيون يدفعون نحو اتمام الاتفاق لتجنب كارثة اقتصادية وسياسية


وحدة رصد الأزمات الدولية | تحليل الحدث | ملف البريكست

في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تضرب الاتحاد الأوروبي وبريطانيا نتيجة تأثيرات جائحة كورونا، تعثرت المحادثات التجارية المتعلقة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ودخلت في أزمة جديدة يوم الاثنين بعد أن حذرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي من أنها قد تقوض بنودا في اتفاق الخروج الذي أبرمته ما لم يوافق الاتحاد على اتفاق للتجارة الحرة بحلول 15 أكتوبر تشرين الأول.


وفي خطوة قد تهدد كل النتائج التي توصل اليها الجانبين خلال 4 أعوام، ذكرت تقارير أن بريطانيا تعتزم سن تشريع جديد يلغي أجزاء من اتفاق الخروج الموقع في يناير كانون الثاني، وهو ما قد يهدد الاتفاق ذاته ويسبب مشكلات مع أيرلندا الشمالية.


وذكرت صحيفة فايننشال تايمز نقلا عن ثلاثة مصادر مطلعة على الخطة أن أجزاء من مشروع قانون السوق الداخلية من المتوقع أن "تنهي القوة القانونية لبنود من اتفاق الانسحاب" في مجالات تتعلق بمساعدات الدولة وجمارك أيرلندا الشمالية.

وشعر دبلوماسيو الاتحاد الأوروبي بالقلق وحذروا من أن هذه الخطوة قد تضر بمكانة بريطانيا الدولية وتزيد من فرص اضطراب عملية خروجها من الاتحاد يوم 31 ديسمبر كانون الأول.

وهبط سعر الجنيه الاسترليني حوالي 0.5 بالمئة أمام الدولار واليورو يوم الاثنين.

وحددت بريطانيا 15 أكتوبر تشرين الأول موعدا نهائيا للتوصل إلى ااتفاق.


وقال مكتب رئيس الوزراء بوريس جونسون إنه سيقول يوم الاثنين "إذا لم نتمكن من التوصل لاتفاق بحلول هذا الموعد، فأنا لا أرى أنه سيكون هناك اتفاق للتجارة الحرة بيننا، ويتعين علينا تقبل ذلك والمضي قدما".


وبدون التوصل إلى اتفاق، فقد يكتنف الغموض مصير تجارة بنحو تريليون دولار بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بما يشمل القواعد الخاصة بكل شيء من قطع غيار السيارات إلى الأدوية والفواكه والبيانات.


فرنسا من جهتها حذرت بريطانيا من أي إعادة النظر في الاتفاق الذي يحكم خروجها من الاتحاد الأوروبي مشددة على أن ذلك سيؤثر على المفاوضات حول العلاقة المستقبلية بين لندن والاتحاد الأوروبي ،


قضايا الخلاف التي وسمت بداية المفاوضات تتعلق أساسا بشروط المنافسة (المعايير الاجتماعية، البيئية، الجباية والدعم الحكومي) حيث ترفض بروكسل أن يكون هناك اقتصاد دون وجود ضوابط مؤطرة له وبخاصة حين يتعلق الأمر بملف الصيد المهم لعدة دول أوروبية من بينها فرنسا، في حين ترغب لندن في التحكم مجددا في مياه الصيد الخاصة بها.


| تحليل الحدث |


حكومة جونسون تعود الى سياسة السير على حافة الهاوية فيما يتعلق بمفاوضات التجارة عبر التهديد بالخروج بدون اتفاق للتجارة في ديسمبر المقبل، ولكن يبدو بأن الأوروبيين هذه المرة غير معنيين بتقديم تنازلات اللحظات الأخيرة كما حدث في اتفاق البريكست في العام الماضي، وهذا ما استدعى أن تلوح حكومة جونسون بإجراء خطير من الممكن أن ينسف اتفاق البريكست من أساسه، فالتلميح الى تقويض بنود في اتفاق البريكست سيؤدي تلقائيا الى العودة الى نقطة الصفر في كامل خطوات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي .


على الجانب الأخر ينظر الأوروبيون الى مفاوضات البريكست على أنها أخذت وقت طويل جدا ويجب التوصل الى نهاية لهذه المسألة الشائكة قبل نهاية العام الحالي والتفرغ الى الاجراءات الاقتصادية لمواجهة الأثار الكارثية لجائحة كورونا على مستوى الاقتصاد الأوروبي .

وطالما انتقد المسؤولين الأوروبيين نظرائهم البريطانيين لعدم الجدية في التوصل الى اتفاق نهائي للتجارة وانهاء قضية البريكست .

وتتعثّر المفاوضات خصوصا بسبب مسألة الصيد البحري وشروط التنافس العادل .

وشهدت الأيام القليلة الماضية اتهامات متبادلة بين المفاوضين، حيث اتهم بارنييه لندن بعدم إظهار "أي استعداد لتقديم تنازلات"، كما أكد البريطاني ديفيد فروست خلال عطلة نهاية الأسبوع أن المملكة المتحدة لن تصبح "دولة تابعة".


بريطانيا لا تدرك مخاطر التوصل الى خروج بدون اتفاق …


لا يبدو بأن المسؤولين البريطانيين في حكومة جونسون يدركون جيدا عواقب الخروج بدون اتفاق، سواء كان هذا الخروج بدون اتفاق للتجارة أو إذا ما تم تقويض الاتفاق الأساسي والتسبب بانهياره، فالعواقب الاقتصادية ستكون سلبية جدا على الجانبين ولكن على بريطانيا بشكل مضاعف ولا يبدو بأن حكومة جونسون اتخذت أي اجراءات لمواجهة هذه المخاطر الاقتصادية.

فعلى صعيد الاتفاقات التجارية لم تتمكن حكومة جونسون الى اليوم من التوصل الى أي اتفاق تجاري مع الكيانات الاقتصادية الكبرى سواء كان مع الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا والهند. ولا يبدو بأن ترمب قادر على منح جونسون الاتفاق التجاري الطموح الذي وعده به في ظل المعركة التي يخوضها الرئيس الأمريكي لإنقاذ اقتصاد بلاده من تأثيرات كورونا وانشغاله أيضا بانتخاباته الرئاسية القادمة .

كما أن الرد الأوروبي سيكون سلبي جدا في حالة الخروج بدون اتفاق ولن يكون متساهل أبدا مع لندن في أي من القضايا السياسية أو الاقتصادية التي تخص الجانبين .

على المستوى السياسي تقويض اتفاق البريكست والخروج بدون اتفاق "وهذا مستبعد" سيضع قضايا سياسية خطيرة على الطاولة من جديد.

أولها قضية ايرلندا الشمالية التي كانت رافضة من الأساس لفكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وستعود فكرة الاستفتاء للانفصال عن بريطانيا لتطرح على الطاولة من جديد، كما أن قضية اسكتلندا أيضا ستعود الى الواجهة خصوصا مع مطالبة الأحزاب الرئيسية هناك باجراء استفتاء جديد حول الانفصال عن المملكة المتحدة وإذا ما تم اجراء هذا الاستفتاء فستكون النتيجة الحتمية هي الانفصال استنادا الى استطلاعات الرأي التي اجريت بعد البريكست ونتائج الاستفتاء الأول التي كانت نتائجه متقاربة جدا مع تفوق بسيط لصالح البقاء داخل منظومة المملكة المتحدة .



وبناء عليه فإن على حكومة جونسون أن تدرك جيدا مخاطر التلميح الى أي تقويض في بنود الاتفاق القديم الذي سيعني نسف الاتفاق برمته والعودة الى المربع الأول بعد استفتاء البريكست، ولا يمكن للأوروبيين أن يقبلوا بأي تعديل أو تقويض لأي بند من بنود الاتفاق الأساسي وهذا ما أكدت عليه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن بريطانيا "ملزمة بموجب القانون احترام اتفاق خروجها من الاتحاد الأوروبي وهو شرط أساسي لأي شراكة مستقبلية".

وحدة رصد الأزمات الدولية | تحليل الحدث | ملف البريكست

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org