انهيار أسعار النفط الأمريكي إلى تحت الصفر؟!..ما الذي حدث في أسواق النفط وما هو مستقبل الأسعار


ناصر زهير / باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

انهارت أسعار النفط الأمريكية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، فبعد خسارة أسعار النفط الأمريكي ل 100٪ من قيمتها وصل سعر النفط الأمريكي الى السالب ـ37 دولار للبرميل، فكيف حدث ذلك وما هي واقعية هذه الأسعار في سوق النفط العالمي؟!

في الحقيقة هذا التراجع في الأسعار هو غير حقيقي على واقع أسعار النفط العالمية، فكل التراجع الذي حدث يوم الأثنين كان على عقود النفط تسليم مايو وبالتالي كان على المستثمرين التخلص من هذه العقود في ظل امتلاء المخزونات العالمية تقريبا و البدء بالتخزين في ناقلات النفط في أعالي البحار.

و مع وجود مشترين بأرقام تاريخية لعقود مايو نظرا للانخفاض التاريخي في أسعار النفط خلال الأيام السابقة مع وصول سعر البرميل الى 20 دولار، ومع نهاية هذه العقود كان يجب على المستثمرين التخلص من هذه العقود قبل منتصف الليل وهو موعد نهاية عقودهم "بمعنى مبسط إما أن يبيع المستثمرين كميات النفط التي قاموا بشرائها أو أن يقوموا باستلامها وتخزينها" والاستلام والتخزين مستحيل طبعا بالنسبة لأغلب الشركات والمستثمرين حول العالم، أما الصناديق السيادية والدول التي اشترت هذه العقود فإذا ما أرادت استلام كميات النفط وتخزينها فإن تكلفة التخزين ستكون عالية جدا في ظل امتلاء المخزونات العالمية وتراجع الطلب على النفط .

وبالتالي كان يجب على المستثمرين في اللحظات الأخيرة الدفع للتخلص من عقود النفط التي قاموا بشرائها إلى أن وصلت أسعار النفط إلى ـ37 دولار للبرميل لتصفية العقود الآجلة لشهر مايو .

أما أسعار العقود الحالية فكانت حوالي 21 دولار أمريكي للبرميل بحسب أسعار النفط العالمية لتسليم شهر يونيو.

ولكن ما حدث هو بروفة درامية لما يمكن أن يحدث في أسعار النفط العالمية إذا لم يتم فتح الاقتصاد العالمي واتخاذ إجراءات حاسمة من منتجي النفط حول العالم، ففي ظل الظروف الحالية يمكن أن تصل أسعار نفط برنت إلى ما دون العشرة دولارات ويمكن أن تنهار أسعار النفط الأمريكية الى مستويات قياسية أخرى مع نهاية عقود يونيو .


ماهي الإجراءات التي يجب اتخاذها لإنقاذ أسعار النفط …


هناك خيارين لا ثالث لهما لإنقاذ صناعة النفط العالمية الأول تخفيض إنتاج النفط حول العالم لما يتناسب مع الطلب الحالي .

استهلاك النفط العالمي كان يبلغ حوالي 100 مليون برميل يوميا قبل جائحة كورونا وإغلاق الاقتصاد العالمي.

بعد تفشي الفيروس ودخول العالم في حالة عزل وإغلاق تراجع الاستهلاك العالمي الى حوالي 70 مليون برميل يوميا .

أي أن لدينا 30 مليون برميل يتم إنتاجها يوميا بشكل فائض في السوق العالمي، كل ما فعلته منظمة أوبك مع روسيا والمنتجين المستقلين هو تخفيض الإنتاج ب 10 مليون برميل يوميا بعد مفاوضات عسيرة و وساطات أمريكية لإنقاذ النفط الصخري الأمريكي .

بالتالي يجب على أوبك+ والمنتجين الكبار حول العالم اتخاذ قرار بتخفيض الإنتاج العالمي ب 30 مليون برميل يوميا، ولكن هذا مستبعد في الوقت الحالي مع بدء الاقتصادات حول العالم في العودة الى الحركة تدريجيا بداية من شهر مايو أي بعد أقل من أسبوعين وعندها ستعود حركة الطلب على النفط للزيادة، ولكن يجب مراقبة الطلب العالمي والاستعداد للتخفيض السريع في حال استدعى الأمر ذلك .

الخيار الثاني هو عودة فتح الاقتصاد العالمي بأسرع وقت ممكن ومهما كان الثمن والخسائر الصحية " قد تبدو هذه الفكرة سيئة وأنانية من حيث المبدأ " ولكن ما حدث في أسواق النفط العالمية هو نموذج مصغر لما يمكن أن يحدث في قطاعات الاقتصاد حول العالم .

فمن الممكن أن نشهد انهيار لأسهم شركات الطيران والتجارة والنقل حول العالم ومن الممكن أن نشهد انهيار متتابع وغير مسيطر عليه للاقتصاد العالمي، وعندها ستكون الفوضى التي ستنتشر حول العالم أسوأ بكثير من الخسائر الصحية في حالة رفع الحجر وفتح الاقتصاد العالمي .

وبالنهاية ستبقى أسعار النفط الحقيقية مابين 12 إلى 25 دولار للبرميل الواحد في أسوأ الحالات إلى أن تعود الأوضاع الى طبيعتها ويعود الاقتصاد العالمي للتحرك من جديد فأي سعر على المدى المتوسط دون ال 10 دولارات سيوقف الإنتاج حول العالم لمعظم الدول النفطية التي تزيد تكلفة الإنتاج فيها عن 10 دولارات للبرميل الواحد وهي تشكل حوالي 70٪ من منتجي النفط حول العالم، وتوقف الإنتاج في هذه الدول سيقطع الإمدادات عن السوق العالمي لتعود الأسعار بالارتفاع مجددا .