قمة أوروبية وسط انقسامات مفصلية.. قادة أوروبا أمام تحديات الامتحان الأصعب لفاعلية التكتل الأوربي


ناصر زهير / مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي اليوم في بروكسل لبحث خطة الانعاش الاقتصادي الأضخم في تاريخ الاتحاد الأوروبي و التي اقترحتها المفوضية الأوروبية بعد التأثيرات الكبيرة على الاقتصاد الأوروبي نتيجة فيروس كورونا .


تنعقد هذه القمة اليوم والخطوط العريضة التي تجمع قادة أوروبا هي بأن لا بديل عن الاتفاق واقرار خطة الانعاش الاقتصادي وإن كان هذا الأمر ليس محسوما نتيجة للخلافات الكبيرة التي تعصف بين الدول الأوروبية داخل الاتحاد، وصرح دبلوماسيين أوروبيون بأن هناك احتمالية لأن لا يتم التوصل الى اتفاق نهائي في هذه القمة وبالتالي الانتظار لاجتماعات قادمة في الأشهر المقبلة، ولكن هذا التأجيل لا زال مستبعدا في الوقت الحالي نتيجة لرغبة طرفي أوروبا الأقوى المانيا وفرنسا بإقرار خطة الانعاش الاقتصادي والدفع نحو تخطي أثار الأزمة الاقتصادية الناتجة عن كوفيد19 .

من ناحيته شدد رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال الذي سيترأس القمة الضغط على المشاركين، وحض رؤساء الدول والحكومات في الدعوة الموجهة إليهم مساء الأربعاء على التوصل إلى تسوية لدعم الاقتصاد بمواجهة وباء كوفيد-19.

المفاوضات والنقاط الخلافية …

تدور المفاوضات حول خطة إنعاش اقتصادي بقيمة 750 مليار يورو تشكل المنح القسم الأكبر منها، إذ تتوزع بين 250 مليار يورو من القروض و500 مليار يورو من المساعدات التي لن يتحتم على الدول المستفيدة منها إعادة تسديدها.

وتضاف هذه الخطة إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي لفترة 2021-2027 البالغة قيمتها 1074 مليار يورو والتي يتحتم على القادة الاتفاق عليها في الأسابيع أو الأشهر المقبلة.

وهذه أول مرة يلتقي قادة الاتحاد الـ27 في بروكسل منذ ظهور فيروس كورونا المستجد في أوروبا وما تلاه من تدابير حجر ارغمتهم على التواصل عبر الفيديو.

وانتهى لقاؤهم الأخير في 20 شباط/فبراير بفشل رغم أن المحادثات بينهم كانت تقتصر على ميزانية الاتحاد الأوروبي لفترة 2021-2027.

رباعي الدول الرافضة لخطة الانعاش الاقتصادي …

ومن المتوقع أن تأتي المعارضة الرئيسية مرة جديدة من رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي الذي يعتبر مسؤولا جزئيا عن فشل القمة في شباط/فبراير.

وابدى روتي الذي يتزعم مجموعة الدول المؤيدة للتقشف وهي إلى جانب هولندا النمسا والدنمارك والسويد، الكثير من التحفظات على خطة الدعم الاقتصادي التي تستفيد منها في المقام الأول دول الجنوب وفي طليعتها إيطاليا وإسبانيا.

وتدعو الدول "المقتصدة" إلى خفض المساعدات وتؤيد منح قروض تعيد الدول تسديدها لاحقا. كما تطالب لقاء أي مبالغ مالية بإصلاحات في الدول المستفيدة منها.


بالتالي هذه نقطة خلافية مهمة قد تعيق أي اتفاق قادم، فالدول الأربعة تريد أن تكون المساعدات على شكل قروض وليست منح والمشكلة الأكبر أن كل دولة منهم تملك حق النقض وبالتالي إعاقة الخطة المقترحة للانعاش الاقتصادي .


دول الجنوب ترفض هذه المطالب خشية أن تضطر إلى الخضوع لخطط تفرضها دول أخرى مثلما حصل لليونان في أشدّ أزمة منطقة اليورو، ما أرغم سكانها على القيام بتضحيات أليمة.

وللسيطرة على مسار هذه الدول بطريقة أفضل، يدعو روتي إلى أن تتم المصادقة على خطط الإصلاح التي تطرحها بإجماع البلدان الـ27 وليس بغالبيتها طبقا لاقتراح شارل ميشال.

الحلول وامكانية الاتفاق …

بالتالي في ظل هذه الخلافات الكبيرة هناك عاملين أساسيين للوصول الى اتفاق وتخطي الخلافات الرئيسية وامكانية اقرار خطة الانعاش الاقتصادي .


العامل الأول : هو الضغط على الدول الرافضة لخطة الانعاش الاقتصادي المقترحة ودفعها نحو تقديم تنازلات وهذا ما شددت عليه أنغيلا ميركل في لقائها السابق مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي تبنى نفس الموقف .


وهناك امكانية أيضا للوصول الى حل وسط بين الجانبين وهو خفض قيمة المبالغ التي سيتم تقديمها كمنح وزيادة نسبة القروض لتكون مثلا 50٪ لكل جزء من الخطة البالغة 750 مليار يورو .

العامل الثاني : هو أن تتم المصادقة على خطط الإصلاح التي تطرحها المفوضية الأوروبية بغالبية الدول الأعضاء طبقا لاقتراح شارل ميشال، وإذا ما تم تبني هذه الخطة فإنها ستكون مفصلية في طريقة تعامل التكتل الأوروبي مع القضايا الأساسية والتحديات الكبرى .


ومن وجهة النظر العملية يبدو اقتراح شارل ميشال هو الأكثر فاعلية فلا يمكن اعاقة خطة انقاذ كاملة للقارة الأوروبية بسبب معارضة دول لم تتضرر بشكل كبير نتيجة جائحة كورونا .

كما تتطرق القمة إلى موضوع حساس آخر هو ربط منح الأموال باحترام دولة القانون، وهي مسألة تدرج لأول مرة في ميزانية الاتحاد الأوروبي غير أنها تلقى مقاومة شديدة من بولندا والمجر، البلدان اللذان باشر الاتحاد آلية بحقهما بسبب انتهاكات لاستقلالية القضاء والحقوق الأساسية.


وتعلق آمال كبرى في وسط هذه المساومات على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي تتولى بلادها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي منذ الأول من تموز/يوليو.

و وافقت المستشارة على طرح فرنسا بأن يتم اقتراض أموال على نطاق واسع باسم أوروبا، متخلية بذلك عن رفض بلادها الشديد لفكرة تشارك الديون.

بالتالي في ظل كل تلك الانقسامات والتجاذبات لا يوجد خيار أمام قادة أوروبا سوى الاتفاق واقرار خطة الانعاش الاقتصادي وإلا فسيكون التصدع الخطير هو مصير الاتحاد الأوروبي خاصة مع وجود تنين اقتصادي يتربص بالدول الأوروبية الأكثر ضعفا في أوروبا وهنا نتحدث عن الصين التي لا تمانع في تقديم قروض ومساعدات كبرى لدول الجنوب الأوروبي بمقابل مصالحها السياسية والاقتصادية .


وكانت ايطاليا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي وقعت مع الصين اتفاق منفرد بما يخص مشروع الحزام والطريق الذي تتبناه الصين ، وإذا لم يتم اقرار مساعدات عاجلة للدول الأوروبية الأكثر تضررا فإن هذه الدول ستعيد تقييمها لدورها داخل المنظومة الأوروبية .

وحدة الدراسات السياسية والاقتصادية

مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

https://www.centredegeneve.org