ليبيا بين الحرب والمفاوضات .. تطورات متسارعة وتصعيد أوروبي ومبادرة جزائرية تحظى بقبول الأمم المتحدة


ناصر زهير / مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

لا زال التصعيد والترقب هو سيد الموقف حول مدينة سرت التي تعتبر بوابة الهلال النفطي في ليبيا، وبالتزامن مع الحشود العسكرية من قبل طرفي النزاع على حدود المدينة لا زالت التحركات الدبلوماسية الدولية هي التي تحكم المشهد الليبي سواء بانطلاق المعارك العسكرية أو منعها .

و لكن انطلاق هذه المعركة يختلف عن كل العمليات العسكرية التي شهدتها ليبيا بين طرفي النزاع طوال السنوات التسعة الماضية، فاندلاع المواجهة العسكرية في سرت سيعني تلقائيا اندلاع مواجهة عسكرية اقليمية بين مصر وليبيا وفي مرحلة لاحقة قد تدخل فرنسا على الخط لتكون مواجهة دولية وليست اقليمية فقط، هذا اذا ما استبعدنا الدور العسكري الروسي في الوقت الحالي على الأقل .

و في ظل هذا التصعيد العسكري والدبلوماسي خرج المتحدث باسم الرئاسة التركية ابراهيم قالن ليؤكد بأن تركيا لا ترغب بمواجهة مصر أو فرنسا عسكريا في ليبيا . وقال: "عند النظر إلى المشهد العام هذا، يتضح عدم وجود نية لدينا بمواجهة مصر أو فرنسا أو أي بلد آخر هناك (في ليبيا)".


ولكنه أكد في الوقت ذاته على مواصلة تركيا لدعم حكومة الوفاق ومساندتها بكل الوسائل للدفاع عن نفسها ، وربما هذه التصريحات تعطي مؤشر على أن تركيا تحاول خفض التصعيد ولكن بنفس الوقت تبرز دورها القوي في دعم حكومة الوفاق، ولكن بالمجمل تعتبر هذه التصريحات خطوة الى الوراء في طريق التصعيد المباشر الذي كانت تتبعه أنقرة .

تصعيد أوروبي وتوحيد للمواقف …


على الجانب الأخر نجحت فرنسا نوعا ما بتوحيد الموقف الأوروبي واصدار بيان شديد اللهجة والتهديد بفرض عقوبات على الدول التي تنتهك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، ورغم أن البيان كان عام وذكر الدول التي تنتهك حظر الأسلحة "بحرا وبرا وجوا" إلا أن البيان كان موجه بشكل أو بأخر الى تركيا ، وقد لوح الأوروبيون بإحدى أوراق الضغط التي يمتلكونها وهي العقوبات الاقتصادية والسياسية .

توحيد الموقف الايطالي الفرنسي الذي طالما كان متضارب في ليبيا يعطي مؤشر على تصاعد المخاوف الأوروبية في التواجد التركي في ليبيا وشرق المتوسط، وقد أكد مسؤول السياسة الخارجية الأوروبية جوزيف بوريل بأن تركيا تعتبر التحد الأكبر للسياسة الخارجية الأوروبية في الوقت الحالي ولكنه أيضا عول على آلمانيا التي تترأس الاتحاد الأوروبي في هذه الفترة في العمل على انجاز اتفاق شامل ونهائي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ، أي أن جميع الملفات ستطرح على الطاولة في أي محادثات قادمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا وأن كانت مستبعدة في الوقت الحالي .

كما كان هناك تأكيدات أوروبية على أن لا مصلحة لأوروبا في وجود قواعد عسكرية تركية أو روسية على السواحل المقابلة لإيطاليا ، وبالتالي فإن الأوروبيين سيعملون كل ما بوسعهم لمنع وجود مثل هذه القواعد .

المبادرة السياسية الضرورية لوقف المعركة …

في كل الأزمات الدولية ومع تصاعد التوتر العسكري والدبلوماسي واستعراض كل طرف لقوته وأوراق الضغط التي يمتلكها نكون أمام خيارين: إما اندلاع مواجهة عسكرية شاملة أو التوجه الى طاولة المفاوضات السياسية والتوصل الى اتفاق وإن كان مؤقت .


وفي الحالة الليبية أصبحت كل عناصر المعركة العسكرية مكتملة الأن، ولكن لمنع اندلاع المواجهة العسكرية قبل الجلوس لطاولة المفاوضات فإننا بحاجة الى مبادرة سياسية تطرح كملف وساطة بين الجانبين أو على الأقل عقد محادثات لخفض التوتر العسكري .

ومع توافر عناصر المواجهة العسكرية يبدو أيضا بأن المبادرة السياسية أصبحت جاهزة الأن، فقد كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مساء الأحد، أن بلاده لديها مبادرة للحل في ليبيا تحظى بقبول من الأمم المتحدة قد تقدم بالتنسيق مع تونس.

والأهم فيما قاله الرئيس الجزائري حول مبادرة بلاده هو أنها تحظى بقبول من الأمم المتحدة، وأعتقد بأن هذه المبادرة قد تكون بداية لخفض التوتر العسكري والجلوس الى طاولة المفاوضات على الرغم من أنه لا يمكن التعويل عليها كثيرا ولكن على الأقل قد تساهم بمنع مواجهة عسكرية اقليمية في الوقت الحالي .

وبالمجمل لا زال خطر النزاع العسكري قائم بأي لحظة ولكن قد يكون بمناوشات سريعة وخاطفة لاستعراض القوة فمصر وتركيا يدركون جيدا بأن لا مصلحة لهم بمواجهة عسكرية شاملة في الوقت الحالي، كما أن الولايات المتحدة تدرك جيدا بأن نشوب نزاع عسكري اقليمي في شرق المتوسط وليبيا سيعني انهيار الناتو وتفككه، فتركيا ستفعل المادة الخامسة بشكل تلقائي وفي ظل المؤشرات الحالية لا يوجد أي دولة عضو في الناتو في منطقة حوض المتوسط وأوروبا ستساعد تركيا في نزاعها العسكري المحتمل مع مصر، وبالتالي فإن الحلف سيكون في مهب الريح، وهذه نقطة مهمة أيضا في الحسابات العسكرية والسياسية في المنطقة .

يبقى الأن أن ننتظر الخطوات القادمة وإن كان الأمر يتعلق بشكل أو بأخر بالجهود السياسية التي ستبذلها واشنطن لمنع مواجهة عسكرية بين ثلاث دول تعتبر حليفة لها "مصر وتركيا وفرنسا" .