ناغورني كاراباخ هل نجحت روسيا حيث فشل الأوروبيون وكيف أخلى الغرب الميدان مجددا للثنائي موسكوـأنقرة؟ 


مكتب مركز جنيف للدراسات في برلين 15 نوفمبر 2020: اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة الروسية قبل أيام في منطقة (ناغورني كاراباخ) المتنازع عليها بين أذربيجان وأرمينيا يعتبر بلا شك نصرا جديدا للثنائي موسكو ـ أنقرة ولكن قبل كل شيء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وللدبلوسية الروسية وفي الوقت ذاته انتكاسة للغرب (مجموعة مينسك والاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية). ففي وقت باءت محاولات جميع الأطراف المذكورة لإحلال السلام بين الجمهورتين السوفيتين السابقتين بالفشل، تمكنت روسيا من التوصل لاتفاق في وقت قياسي ضمن لها إنجازا جيوسياسيا وثبّت قدرتها على تجاوز جميع الخلافات مع تركيا للخروج باتفاق يلبي مصالح الطرفين ... ووجودا عسكريا في ثلاث جمهوريات سابقة في الاتحاد السوفيتي وذلك لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي

شكّكت مراكز الدراسات الاستراتيجية الأوروبية في الأسابيع الماضية في قدرة جهة واحدة على الانفراد بقرار الحرب والسلام في "ناغورني كاراباخ" وإقناع أذربيجان وأرمينيا بوقف أعمال القتال التي اندلعت قبل ستة أسابيع. مراهنة أثبت روسيا خطأها بعد إعلان الكريملن قبل أيام وقفا تاما لإعمال القتال، اعتبرته باكو "وثيقة استسلام" أُرغمت أرمينا على قبولها. ولكن هذا النصر الذي حققته أذربيجان لم يمكن ممكنا لولا الثقل الدبلوماسي الكبير الذي استثمرته روسيا في حل هذا النزاع ولولا الدعم العسكري الذي قدمته تركيا.


وبغض النظر عن تفاصيل هذا الاتفاق الذي جاء في معظم تفاصيله لصالح أذربيجان، لا يختلف اثنان على أنه يعتبر نصرا جديدا للدبلوماسية الروسية وانتكاسة لعدة جهات غربية حاولت منذ البداية الاضطلاع بجهود وساطة. فمنذ البداية حاولت (مجموعة مينسك) المكونة من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة وتعمل في إطار (منظمة الأمن والتعاون في أوروبا) التوصل لحل ولكنها فشلت في ذلك. بعد ذلك، حاولت الولايات المتحدة منفردة الذهاب في حل سلمي للصراع ولكنها هذه المحاولة منيت أيضا بالفشل. الفشل كان أيضا من نصيب محاولات حكومة أنجيلا ميركل التي تترأس بلدها في الوقت الراهن المجلس الأوروبي. رئيسة الحكومة الألمانية دخلت مبكرا على خط هذه الأزمة وبادرت بإجراء اتصالين هاتفيين مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ونظيره الأرميني نيكول باشينيان وأوعزت لوزير خارجيتها هايكو ماس ببحث القضية مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو. ولكن جميع هذه المحاولات لم تحقق المطلوب. أما مفوض الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي خوسيب بوريل فقد اكتفى بالإعراب عن "قلق" بروكسل.

في المقابل، اكتفى الاتحاد الأوروبي بمراقبة الإنجازات التي بدأت الدبلوسية الروسية بتحقيقها في هذا الصراع. ولكن موسكو لم تتحرك لوحدها، فهي تعرف جيدا مدى أهمية تركيا التي جهرت منذ بداية الصراع بدعهما لـ باكو ولم تتأخر في تقديم جميع المساعدات العسكرية اللازمة. أذا، أدركت موسكو مدى نجاعة التركيبة الثنائية موسكو ـ أنقرة التي أثبتت جدراتها في واقعتين سابقتين سوريا وليبيا. صحيح أن الفروقات في مواقف الطرفين في سوريا وليبيا كانت كبيرة، ولكن موسكو وأنقرة تمكتنا رغم ذلك من تقديم حلول وسطية والخروج بصيغة تضمن الاتفاق وقبل كل شيء تحول دون حصول احتكاك أو اصطدام بين القوات الروسية والتركية.


وينص الاتفاق على نشر قرابة ألفي جندي روسي في المنطقة و 90 ناقلة للجنود و380 مركبة عسكرية وغيرها من المعدات التي تضمن تنفيذ وقف إطلاق النار. ومن المقرر أن تبقى هذه القوات 5 سنوات في مواقعها ومن المحتمل تمديد وجودها لخمس سنوات إضافية. بهذا، تكون روسيا قد نجحت في نشر قوات لها في ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة أرمينا وأذربيجان وأرمينيا وذلك لول مرة منذ عام 1990 أي انهيار الاتحاد السوفيتي.


ـ تفوق دبلوماسي روسي على باريس و واشنطن


تمكن روسيا من التوصل لاتفاق بهذه السرعة ومجيء هذا الاتفاق بعد محاولات فاشلة للاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية ونجاحها في التوصل لحل في إطار الثنائي موسكو ـ أنقرة وعودة قواتها إلى جميع جمهوريات القفقاز السوفيتية السابقة يجعل المراقبين يمنحونها نصرا جيوسياسيا مهما. نصر وصفته الصحيفة الألمانية المؤثرة (فرانكفورتر ألغماينة تسايتونغ) بالقول "بوتين هو المنتصر غير المتوقع في هذه الحرب". في المقابل، لا بد من القول إن فشل (مجموعة مينسك) والاتحاد الأوروبي في وضع حل لهذا النزاع يجعل هذه المجموعة قاب قوسين او أدنى من الفشل ويجبر الغرب مرة أخرى على إخلاء الميدان لروسيا كما كانت عليه الحال في جورجيا وأوكرانيا.


هذا الفشل يجعلنا نرجع إلى الورقة الاستراتيجية التي وضعها الاتحاد الأوروبي في نهاية عام 2003. في هذه الورقة تقول بروكسل :" يجب علينا أن نعمل على أن يربطنا تعاون وثيق وعلاقات ثابتة مع جميع البلدان الواقعة على حدودنا الشرقية والتي لها شواطئ على البحر الأبيض المتوسط وعلى أن تكون هذه الدول محكومة من قبل حكومات متعقلة".

ولكن مجرد إلقاء نظرة سريعة على هذا المحيط يتبين أن معظم هذه البلدان يعاني من حروب ونزاعات وقلاقل وثورات من تونس وليبيا ومالي في شمال أفريقيا مرورا بمصر ولبنان وسوريا وشرق المتوسط ووصولا إلى أوكرانيا وجورجيا وبيلاروسيا. كل ذلك يجعل الاتحاد الأوروبي يعيش في محيط ملتهب سيكون لما يحدث فيه أثرا على استقرار بلدان الاتحاد الأوروبي ولكن وصول الوضع السياسي في هذه البلدان إلى ما وصل عليه ليس إثباتا على فشل استراتيجية الاتحاد الأوروبي المشار إليها فحسب، بل أيضا إشارة إلى فشل الأوروبيين في ضمان استقرار الدول المجاورة لهم.

للاطلاع على الملف بصيغة PDF

هل نجحت روسيا حيث فشل الاتحاد الأوروبي
.p
Download P • 2.06MB



مكتب برلين | الملف الروسي والعلاقات الأوروبية الخارجية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org