فيروس كورونا والاقتصاد العالمي .. بين خطر الانهيار وعودة العجلة الاقتصادية للدوران


ناصر زهير & غادة يوسف & ريتشارد نولكير

تسبب فيروس كورونا في أضرار اقتصادية كبيرة على الاقتصاد العالمي فاقت كل التوقعات التي رافقت مدى انتشار الفيروس على مستوى العالم، ولم تعد تقتصر الأضرار الاقتصادية السلبية على الدول التي تضررت بالفيروس بشكل مباشر مثل الصين و إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإيران، بل امتدت هذه الأضرار لتضرب الاقتصاد العالمي بشكل كامل .

فمع خسائر وصلت الى أكثر من 860 مليار دولار لمجمل الاقتصاد العالمي وتوقعات بامتداد هذه الخسائر من 1 الى 3 تريليون دولار مع تراجع الناتج الإجمالي المحلي العالمي بنسبة 2٪ ، فإن الصورة تبدو قاتمة للاقتصاد العالمي خاصة مع إغلاق العديد من البلدان الصناعية الكبرى و وضعها تحت الحجر الصحي بالكامل كما حدث في ايطاليا وفرنسا وقبلهم الصين التي بدأت في تجاوز الأزمة .

المخاطر الاقتصادية ...

المشكلة في مثل هذه الأزمات هي الضبابية الاقتصادية التي تخشاها الأسواق والمستثمرين وهذا ما يفسر الانهيار السريع لمؤشرات الأسواق العالمية، فقد فقدت بورصة وول ستريت كافة الأرباح التي حققتها طوال السنوات الأربعة الماضية خلال أسبوعين، أيضا تراجعت التوقعات بنمو الاقتصاد العالمي من 2،9٪ الى 1،5٪ وفي حال استمرار الأوضاع الحالية فقد تصل الى 0،5٪ .

ولكن النقطة الايجابية في ظل هذه الصورة القاتمة هي أن هذه التأثيرات السلبية على الاقتصاد العالمي هي تأثيرات مؤقتة وستزول أثارها بشكل سريع جدا مع أول إعلان للقاح ضد الفيروس، وهذا ما تعمل عليه كبرى شركات الأدوية حول العالم وقد بدأت بالفعل التجارب السريرية في الولايات المتحدة والصين بانتظار النتائج .

ولكن في ظل الأوضاع الحالية والإغلاق شبه الكامل للعديد من الدول وتوقف عجلة الاقتصاد بشكل شبه كامل، خرجت منظمة العمل الدولية لتعلن أن 25 مليون شخص حول العالم مهددين بفقدان وظائفهم، وبالتالي فإن هذا الخبر يعتبر كارثي على الاقتصاد العالمي وأيضا الموظفين والعاملين في مختلف القطاعات الاقتصادية حول العالم .

وهنا يبرز السؤال الأبرز " هل يمكن التعايش مع الفيروس في مرحلة ما بدون الإصابة به " وماذا لو تأخرت الجهود الرامية الى ايجاد لقاح سريع لفيروس كورونا ، وهل هناك امكانية لاستمرار الحجر الصحي الى ما لانهاية ؟؟

بالتأكيد فكرة استمرار الحجر الصحي الى وقت غير محدد هي فكرة سيئة جدا على الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول الكبرى وكارثي بالنسبة لاقتصادات الدول النامية، وبالتالي فإننا سنضطر في مرحلة ما الى التعايش مع الفيروس وعودة الحياة الاقتصادية الى الدوران من جديد وإلا فإن الكارثة ستكون سيئة جدا على الاقتصاد العالمي .

رأي الطب ...

وهنا لا بد من استطلاع رأي الأطباء والأخصائيين حول امكانية عودة الحياة الاقتصادية ومدى امكانية تعايش الناس مع الفيروس في بيئة العمل بدون الإصابة به .

تحدثنا مع الدكتور يحيى مكّي الطبيب الأخصّائي في علم الفيروسات في المستشفى الجامعي "كلود بيرنار" في مدينة ليون الفرنسية، والخبير في منظمة الصحة العالمية في مراقبة الانفلونزا، والذي قال: إن فكرة التعايش مع فيروس كورونا بدون الإصابة به ممكنة بنسبة كبيرة جدا ولكن مع الأخذ بكافة الاحتياطات الوقائية الممكنة بل ومضاعفاتها .

فمن خصائص فيروس كورونا بأنه لا ينتقل بالهواء وبالتالي فإن فكرة عدم انتقاله بمخالطة شخص مصاب بالفيروس في مكان العمل ممكنة ولكن يجب الحفاظ على مسافة متر واحد على الأقل بين الشخص المصاب والشخص السليم حتى نضمن عدم انتقال الفيروس بالرذاذ الناتج عن السعال أو العطس أو حتى الكلام .

د. يحيى مكي

وبعد فترة الحجر الصحي المقررة بأسبوعين ستقل نسبة انتقال الفيروس كما حدث في الصين مثلا، وفي الأيام الأخيرة تناقصت نسبة الإصابة بالفيروس في الصين حتى وصلت الى الصفر في مدينة ووهان والتي تعتبر بؤرة انتشار فيروس كورونا، وبالتالي لا داعي لاستعمال الكمامات الطبية بين العامة مع التركيز على التعقيم المستمر للأسطح لمدة شهر على الأقل ومن المفضل أن تكون بصفة دائمة الى أن يتم إيجاد لقاح فعال للفيروس .

وفي ظل تلك الاجراءات والحذر الكبير جدا يمكن أن تقل نسبة الإصابة بشكل كبير جدا بين أفراد المجتمع إذا ما اضطررنا في مرحلة ما الى التعايش مع وجود الفيروس وعودة عجلة الاقتصاد للدوران من جديد .



أما الدكتورة منى كيال وهي طبيبة أخصائية في علم الأحياء الدقيقة السريري Clinical Microbiology في مشفى موتول الجامعي في براغ، فقد أجابت على بعض الأسئلة الخاصة بما يتعلق بالمخاوف من انتشار فيروس كورونا في بيئة العمل وكان رأيها قريب جدا من فكرة التعايش مع الفيروس وعدم الإصابة به فيما لو تأخرت الجهود الرامية الى اكتشاف لقاح سريع وفعال ضد المرض .

وفيما يخص امكانية تقليل نسبة الإصابة في حالة عودة العجلة الاقتصادية الى الدوران بشكل طبيعي قالت الدكتورة منى كيال : يمكن تقليل عدد الاصابات إلى حد كبير عن طريق التقيد بغسل الأيدي وتعقيم الأسطح وتقليص الاحتكاك المباشر بين الأفراد.

والهدف من كل هذه الإجراءات الوقائية إبطاء معدل انتشار العدوى قدر الإمكان وليس القضاء على الفيروس، من الناحية العملية لا يمكننا منع الإصابة بالكامل، خاصة مع صعوبة التقيد بعدم لمس الوجه وتعقيم أجهزة الهاتف والكومبيوتر والمفاتيح والمحفظة وغيرها.

أما فيما يخص امكانية أن تتعايش الفئات العمرية بين 20 الى 60 عام مع الفيروس بدون الإصابة به أو تقليل عدد الإصابات للحد الأدنى أجابت الدكتورة منى: على هذه الفئات تقبّل الحياة المقيدة بعيداً عن جلسات المقاهي والمناسبات والمسابقات الرياضية والعطلات والسفر.

د. منى كيال

يمكن التعايش مع هذا الفيروس في المجتمعات ذات الوعي الصحي والاجتماعي، بالابتعاد عن الفردية والأنانية وإدراك أن صحتنا هي من صحة المجتمع الذي نعيش فيه، ونساعد على منع نقل العدوى للأشخاص المسنين والمرضى المزمنين.

وبالتالي فيما يخص بيئة العمل يمكن التقليل بنسبة كبيرة من نسبة الإصابة بالفيروس وأيضا عودة الحياة الاقتصادية بشكل تدريجي للعمل من جديد .

وتابعت الدكتورة منى كيال: يبدو أن مسلسل الكورونا مستمر .. ويجب أن تكيف نفسنا للتعايش مع واقع جديد مفروض علينا، ربما سيغير أسلوب حياتنا لوقت طويل.

ويبقى الأمل كبيراً في إيجاد دواء فعال لعلاج الفيروس. هناك سباق عالمي بين شركات الأدوية، وبعض العقاقير أصبحت متوفرة بالفعل وتخضع للتجارب السريرية، وكذلك لإيجاد لقاح والذي يمكن أن يستغرق انتاجه شهور عديدة.

واستطلعنا أيضا رأي الدكتورة سهام بادي أخصائية طب العائلة في باريس والوزيرة التونسية السابقة والتي تتعامل بشكل مباشر مع مرضى فيروس كورونا في الأيام الأخيرة ، وكان رأيها هو بإمكانية التعايش مع الفيروس مع تقليل نسبة الإصابة به بشكل كبير جدا في حال اتخاذ كافة الاجراءات الوقائية الممكنة في أماكن العمل .

وأشارت الدكتورة سهام بادي الى نقطة مهمة وهي أن الفيروس يترك أثر له لوقت طويل مع الشخص المصاب بحسب بعض الدراسات أو معاينة الأشخاص الذين تم شفائهم بالصين على سبيل المثال وبالتالي حتى لو تم الشفاء بشكل كامل فإن امكانية أن يكون الشخص حامل للفيروس ممكنة ويجب تقبل نمط التعايش مع وجود الفيروس في الحياة المجتمعية الى أن يتم ايجاد لقاح فعال للمرض .


د. سهام بادي

وأكدت الدكتورة سهام بادي بأن الأطباء يحاولون العمل بضعف طاقتهم لمواجهة الخطر الذي يسببه الفيروس ولكن أيضاُ هناك مسؤولية على المجتمع والأفراد بأخذ كافة الاجراءات الوقائية المتمثلة بالتعقيم والنظافة المفرطة لتقليل نسبة الإصابة، وفكرة الحجر الصحي لن تكون مفيدة بشكل كبير على المدى الطويل وبالتالي لا بد من إيجاد آلية للتعايش مع الفيروس مع تقليل نسبة الإصابة به الى أن يتم ايجاد العلاج .

وأكدت د. سهام، يجب التعامل مع الفيروس و كأننا نحن مصابين والآخرين مصابين حتى نحتاط اكثر ما يمكن .. وكلما وجدت حالات في المستشفى خطيرة أو وفيات يجب أن نتسائل هل كانت لنا مسؤولية في ذلك؟ بذلك نساهم بتنمية الضمير الجمعي لدى المواطنين لاكتساب ثقافة الوقاية بكل جدية.

الصين مثال قوي ...

إذا ما نظرنا الى تجربة الصين مع الفيروس خاصة وأنها كانت بؤرة انتشار الوباء حول العالم فإن مؤشر فكرة التعايش مع الفيروس حتى عدم وجود لقاح مضاد الى هذه اللحظة تبدو ممكنة نوعا ما، فالأرقام التي كانت تأتي الى الصين كانت مخيفة جداً في الأيام الأولى لانتشار الفيروس، وكانت الخسائر الاقتصادية للصين كبيرة جداً في ظل حالة الحظر الصحي الكامل للعديد من المقاطعات وإغلاق لمعظم الشركات والمصانع الكبرى وتوقف عجلة الإنتاج بشكل شبه كامل .

ولكن مع اتباع اجراءات صارمة في العزل والوقاية ومن ثم العودة الى الحياة الطبيعية تدريجياً تمكنب الصين من التغلب على الفيروس وتقليل نسبة الإصابات الى 0٪ مع الإعلان الأخير حول عدد الإصابات داخل الصين، و هناك مؤشرات على أن الحياة الطبيعية بدأت بالعودة الى الصين والمقاطعات التي كانت مغلفة بسبب الحجر الصحي .

بالتالي فإن فكرة التعايش مع فيروس كورونا بدون الإصابة به ممكنة بشكل كبير في بيئة العمل وفي معظم القطاعات الاقتصادية الهامة التي لا يمكن أن تتوقف تحت خطر الحجر الصحي و وفي مرحلة ما مهما امتدت فترة الحجر التي فرضتها الدول المنكوبة فإنها ستضطر الى عودة الحياة الاقتصادية الطبيعية مع أخذ كافة الاحتياطات اللازمة من قبل القطاعات الصحية وأفراد المجتمع لمنع انتشار الفيروس وتقليل نسبة الإصابة بنسبة متدنية جداً .

ولعل تجربة الصين قد تكون المثال الأكبر الذي يمكن اتباعه وبارقة الأمل للتعامل مع هذه الكارثة الصحية التي ضربت العالم ، فقد أعلنت الصين اليوم نسبة 0 إصابة على المستوى الداخلي في عموم الصين وهو الخبر الأهم في الجهود الدولية لمكافحة الفيروس ومنع انتشاره