عقوبات روسية واستدعاء للسفراء،، مستقبل العلاقات الروسية الأوروبية بين الخلافات وتحالفات مابعد ترمب


وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف العلاقات الأوروبية الروسية

باريس-بروكسل 22 ديسمبر 2020 : تتفاعل قضية العقوبات المتبادلة بين روسيا والاتحاد الأوروبي على خلفية القضايا الخلافية بين الجانبين بما يتعلق بأوكرانيا وجزيرة القرم وأخر فصول هذه المواجهة هي قضية تسميم ومحاولة قتل المعارض الروسي نافالني بغاز الأعصاب "نوفيتشوك" بحسب الاتهامات الأوروبية.


وفي رد روسي علي العقوبات الأوروبية التي تم فرضها في أكتوبر الماضي أعلنت وزارة الخارجية الروسية اليوم عن رد روسيا على العقوبات ضدها والتي تتعلق بقضية نافالني.


وحسب الخارجية ستصدر قائمة سوداء بشخصيات أوروبية متورطة في الدعوة وفي فرض العقوبات على روسيا.

وشددت وزارة الخارجية الروسية على أن موسكو سترد على عقوبات الاتحاد الأوروبي بشأن الوضع مع نفالني.

وسلمت إلى دبلوماسيي ألمانيا وفرنسا والسويد وكذلك بعثة الاتحاد الأوروبي مذكرة تفيد بتوسيع "القائمة السوداء الروسية".

وتعتبر موسكو العقوبات الأوروبية ضد روسيا بشأن الوضع مع نافالني غير مقبولة، وستلقى الأعمال غير الودية من قبل الغرب الرد المناسب.


وبحسب وكالة نوفوستي ستوسع موسكو قائمة الرد لممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين يحظر عليهم دخول الأراضي الروسية.

وأفيد بأن "القائمة السوداء" الجديدة تشمل المتورطين في تصعيد نشاط العقوبات ضد روسيا في إطار الاتحاد الأوروبي.


وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات في أكتوبر الماضي على مسؤولين روس بارزين ومقربين من الرئيس فلاديمير بوتين بسبب تسميم نافالني.

وتأتي العقوبات الروسية "الغير مؤثرة" بشكل كبير كما كانت نظيرتها الأوروبية قبل أسابيع، في وقت حساس للغاية من تغيرات خارطة التحالفات السياسية والاقتصادية مابعد جائحة كورونا، خاصة مع تصدع العلاقة بين ضفتي الأطلسي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه حلفائه الأوروبيين والتي دفعتهم نحو التفكير بتحالفات أوروبية سياسية واقتصادية ودفاعية تتفق مع سياسات الاتحاد الأوروبي بعيدا عن المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة، ومن ضمن هذه الاستراتيجية محاولة حل القضايا الخلافية مع روسيا والابتعاد عن مبدأ الروس هم العدو الأول .


ـ استدعاء للسفراء الأوروبيين ..

ذكرت وكالة الإعلام الروسية أن وزارة الخارجية استدعت أيضاً سفراء ألمانيا والسويد وفرنسا في موسكو يوم الثلاثاء 22 ديسمبر 2020 فيما يتعلق بعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بسبب تسميم معارض الكرملين أليكسي نافالني.


وعلى الرغم من الزخم الدبلوماسي في هذه التحركات إلا أنها لن تكون مؤثرة بشكل كبير على مسار العلاقات بين الجانبين في الوقت الحالي خاصة وزن العلاقة تشهد توتر من تحت الطاولة بما يتعلق ببعض القضايا ولكن بالمجمل لا زالت الأمور تحت السيطرة .


و تتمثل وجهة النظر الأوروبية في التزامات بالمبادئ الأوروبية المعمول بها بمايتعلق باستخدام غاز الأعصاب و"الأسلحة البيولوجية" خاصة وأن إحدى دول الاتحاد وهي بريطانيا التي كانت عضو أوروبي قبل البريكست قد عانت من استخدام غاز الأعصاب على أراضيها وتم تسميم العميل الروسي المزدوج سكريبال وابنته .


أي أن خطر استخدام هذا النوع من غازات الأعصاب والأسلحة البيولوجية قد ينتقل الى الأراضي الأوروبية في عمليات الاغتيال والاستهداف للمعارضين والشخصيات التي تعاديها روسيا، وفي كلا الحالتين فإن الأمر خطير ومرفوض من قبل الدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا، ولذلك كان لا بد من اتخاذ خطوة بهذا الاتجاه وعدم الوقوف متفرجين على مثل هذه النشاطات .

ـ فرملة أوروبية لعقوبات جديدة ضد روسيا ..

قاومت المفوضية الأوروبية جهود من قبل بعض أعضائها في فرض عقوبات على روسيا بسبب الخلافات الأخيرة حول بيلاروسيا ، ورفضت كل من فرنسا وألمانيا خلف الكواليس جهود كل من لاتفيا وبولندا ومطالبتهم بفرض عقوبات أوروبية مباشرة على موسكو بسبب دعمها للرئيس البيلاروسي لوكاشينكو الذي اتهم من قبل الأوروبيين بتزوير الانتخابات الأخيرة وقمع معارضيه.


و وصل الأمر في المناقشات الأوروبية في كواليس اجتماع وزراء الخارجية في برلين الذي سبق قمة برلين الى اشتراط هذه الدول موافقة المفوضية على عقوبات ضد موسكو مقابل موافقتها على العقوبات الأوروبية على تركيا بما يتعلق بشرق المتوسط .

ـ مقاومة أوروبية للضغوط الأمريكية حول مشروع السيل الشمالي ..


قاوم الاتحاد الأوروبي وألمانيا ضغوط أمريكية كبيرة جدا بما يتعلق بمشروع "السيل الشمالي-2 " الذي ينقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا عبر خطين من الأنابيب تحت بحر البلطيق ، بينما تلوح بالأفق بوادر معركة اقتصادية مريرة بين برلين وواشنطن التي تبدي معارضة قوية للمشروع ، وقد هددت مؤخرا بفرض عقوبات جديدة على كل من يشترك بتنفيذه.


فقد أعلنت واشنطن أوائل شهر أغسطس الماضي قواعد جديدة للقانون المعروف بـ"مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" تنص على وجوب تعرّض الشركات الألمانية لعقوبات ردا على أي استثمارات مهما كانت صغيرة بالمشروع.. وقالت إنه يهدد بمنح موسكو نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا على أوروبا ويقوض أمن الطاقة بالاتحاد الأوروبي.

كما أقر مجلس الشيوخ الأمريكي خلال ديسمبر الماضي قانونا يتضمن عقوبات على هذا الخط بأغلبية ساحقة، رغم تنديد الاتحاد الأوروبي وبرلين بالعقوبات واعتبارها تدخلا أمريكيا بسياسة الطاقة الأوروبية.

وعلى الرغم من كل الضغوط الأمريكية لم تتوقف ألمانيا وأوروبا من خلفها أو لم تعدل من سياساتها بما يتعلق بمشروع السيل الشمالي 2 والتعاون مع روسيا بما يخص أمن الطاقة الأوروبية، على الرغم من استعداد الولايات المتحدة لتأمين بدائل للأوروبيين


ومن خلال التحركات الأخيرة يمكن أن نلمس توجه أوروبي خجول لمحاولة تحسين العلاقات مع روسيا ومحاولة تقليص درجات الخلافات الى الحد الأدنى وكانت فرنسا تقود هذا المشروع عبر رئيسها ايمانويل ماكرون الذي عقد أكثر من قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين .

ولكن زيادة القضايا الخلافية فرملت من هذه الجهود بين الجانبين ولكن يمكن استمرارها، وعلى موسكو أن تكون حذرة جدا في إدارة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي في الفترة القادمة خاصة مع وصول الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن الى البيت الأبيض وجهوده نحو إعادة التحالف الاستراتيجي مع الأوروبيين وتفعيل التعاون بين ضفتي الأطلسي من جديد .

ومن المتوقع أن تبقى العلاقات بين الجانبين الأوروبي والروسي في شد وجذب حتى يتمكنوا من التوصل الى حلول وسطى بالحد الأدنى لبناء تعاون استراتيجي على أرضية مصالح مشتركة بين الجانبين تتعلق بأمن أوروبا والطاقة والتعاون الاقتصادي الذي سيكون الطرفين مجبرين عليه في عالم مابعد كورونا .

ولكن المؤكد بأن الحذر الشديد وعدم الثقة سيكونان العامل الذي يحكم العلاقة بين الجانبين في الفترة الأولى ومن ثم ستتحول الى شراكة استراتيجية مبنية على المصالح فقط .

وقد نرى في الفترة القادمة عقوبات خجولة متبادلة بين الجانبين ولكن الجهود الأكبر ستكون نحو تفعيل الاتحاد الأوروبي لتحالفات استراتيجية بعيدة المدى وفقا للمصالح الأوروبية فقط وليس المصالح " الأمريكية الأوروبية " وعلى موسكو أن تفهم هذه النقطة جيدا وتتلقى هذه الإشارات وتعمل لاستغلالها بشكل جيد لإنهاء العداء التاريخي بين الجانبين أو تقليصه الى الحد الأدنى على الأقل .


ويبقى الجانب الفرنسي هو الأكثر حماسا وايجابية لإصلاح العلاقة مع روسيا خاصة بما يضمن تفعيل خطة ماكرون الطموحة ببناء جيش أوروبي مشترك أو مظلة نووية أوروبية فرنسية مشتركة بما يضمن الابتعاد عن تعقيدات حلف الناتو ودوره المعدوم في الساحة الدولية كما يراه الفرنسيون .

وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف العلاقات الأوروبية الروسية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org