قمة بروكسل تنتهي بمؤشرات قوية نحو سياسات أوروبية مستقلة دفاعيا ودبلوماسياً "الاستراتيجيات الجديدة"


وحدة الأزمات الدولية | ملف سياسات الاتحاد الأوروبي

باريس 26 فبراير 2021 - في تأكيد على التوجه الأوروبي الحقيقي نحو الاستقلالية في السياسات الدفاعية والخارجية وعدم التبعية للولايات المتحدة الأمريكية، خرجت القمة الأوروبية التي تم ختامها اليوم بمؤشرات مهمة جدا على السير قدما بهذا التوجه الجديد بعد فك الارتباط الكلاسيكي مع الولايات المتحدة وخروج بريطانيا بفعل البريكست .


وقرر القادة الأوروبيون خلال قمة الجمعة في بروكسل تعزيز استقلالية تحرك الاتحاد الأوروبي للسماح له باثبات أنه "شريك قوي" لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة.


وأعلن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في ختام مؤتمر عبر الفيديو دام ثلاث ساعات مع قادة الدول الـ27 والأمين العام للأطلسي أن "التكامل هو الحل".

وأضاف "نريد تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي للتحرك بشكل مستقل مع الرغبة بأن نكون شريكا موثوقا به للحلف الأطلسي والولايات المتحدة".

وتابع أن "شراكة قوية تتطلب شركاء أقوياء".


واستخدم وزير الخارجية الأمريكي الجديد أنتوني بلينكن الصيغة نفسها خلال أول لقاء عقده عبر الفيديو الاثنين مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي.


وتبرز أهمية هذه المؤشرات الأوروبية بأنها أتت بعد أيام من خطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن في مؤتمر ميونخ للأمن الذي أعلن فيه عودة العلاقات الأوروبية الأمريكية عبر الأطلسي، وهو الخطاب الذي لاقى تحفظ في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية خصوصا في فرنسا التي ترى بأن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا يجب أن تعود باستراتيجية جديدة مبنية علي المصالح الأوروبية المستقلة بغض النظر عن توجهات واشنطن .


ومن حيث الواقعية لا يمكن فك الارتباط بشكل قوي بين المصالح الأوروبية والأمريكية خصوصا عبر حلف شمال الإطلسي الناتو، ولكن المهم السير بهذا الطريق البدء ببناء القواعد الثابتة لهذه الاستراتيجية .


وتحمل فرنسا مشروع طموح بما يخص الجيش الأوروبي المشترك وإن كان هذا المشروع لا زال بعيد المدى فيمكن اللجوء الى الخيار الأسرع الذي أعلنت عنه باريس والذي يتعلق بمظلة نووية أوروبية مشتركة تضمن الحماية الكاملة والقوية لأوروبا، خاصة وأن فرنسا باتت الدولة الأوروبية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي ومقعد دائم في مجلس الأمن بعد خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي .


ويبدو بأن الأوروبيين باتوا مقتنعين أكثر بالتوجه الفرنسي أو الجناح الذي تقوده فرنسا داخل المنظمة الأوروبية بعد أن أثبت حلف الناتو فشله وبشكل ذريع في حماية المصالح الأوروبية في شرق المتوسط ومضيق هرمز وهذا ما استدعى الاندفاع الى خيار القوات الأوروبية المشتركة التي باتت موجودة في مضيق هرمز بشكل مبدئي .

تبقى الدول التي تتخوف من الانسلاخ عن منظومة الناتو وهي بعض الدول الشرقبة التي تقع على حدود روسيا حيث أفاد مسؤول أوروبي كبير أن "قدرة الاتحاد الأوروبي على التصرف بشكل مستقل تقلق الدول الأعضاء الواقعة على خط المواجهة مع روسيا لأنها تخشى فك ارتباط أوروبي حيال الحلف الأطلسي".

وأكد أحد المشاركين لفرانس برس أن قادة ليتوانيا ولاتفيا وبولندا كرروا الإعراب عن قلقهم خلال النقاش لكن "لا أحد عارض الحاجة إلى التحرك باستقلالية".


ماكرون يدفع بخطوات أسرع وفون دير لاين تصرح بقوة " علينا الحد من تبعيتنا "

ويبدو بأن القمة الأوروبية الحالية كانت فرصة ذهبية وانتصارا دبلوماسيا للرئيس الفرنسي ايمانويا ماكرون في الدفع نحو التوجه الفرنسي ببناء سياسة أوروبية مستقلة دفاعيا وخارجيا، وشدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة أن تقوم أوروبا "باستباق الاشكال الجديدة من التهديدات، معلوماتية أو بحرية أو فضائية أو جوية".


والخطر أيضا مصدره الإرهاب. وقال دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى إن "مستوى التهديد اليوم مرتفع أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب الباردة، وليس من روسيا فقط".


وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية اورسولا فو دير لاين "علينا الحد من تبعيتنا وتنويع امداداتنا وهذا لا ينطبق فقط على القدرات العسكرية".


وقدمت المفوضية الأوروبية في الآونة الأخيرة إطارا مع خطة عملها للتنسيق بين الصناعات المدنية والفضائية والدفاعية. وتخصص الموازنة الأوروبية ما قيمته مليار يورو سنويا على مدى سبع سنوات لتمويل صندوق الدفاع الأوروبي.


وسيتيح "تسهيل السلام" توفير أسلحة لشركاء الاتحاد الأوروبي ويمكنه الآن تدريب وتجهيز قوات عسكرية في إفريقيا.


ويمكن اعتبار نتائج القمة الحالية والمؤشرات التي صدرت عنها بهذا الخصوص بمثابة خطوط عريضة وعناوين رئيسية لخطط الاتحاد الأوروبي في الفترة القادمة على الرغم من وصول الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن الى البيت الأبيض.

ويبدو بأن اجتماعات بلينكن المتكررة وخطابات بايدن وتصريحاته الدبلوماسية التي أرادت فرض أمر واقع عبر التصريحات الدبلوماسية فقط لم تنجح في تغيير دفة السفينة الأوروبية التي تحاول البدء بالإبحار ببطئ وثبات نحو سياسات وتحالفات جديدة .


وسيبقى الأمر مرهون بنجاح الدول الأوروبية في بناء هذه السياسات والتحالفات واستغلال الفرص في تغير التحالفات السياسية والاقتصادية بعد جائحة كورونا و وصول الديمقراطيين الى البيت الأبيض، ومن خلال المؤشرات الحالية فإن الفرصة مناسبة جدا للبدء ببناء هذه التحالفات القوية في منطقة الشرق الأوسط والخليج وأفريقيا، وعلى القادة الأوروبيين أن يسرعوا في حسم خياراتهم لأن مثل هذه الفرص قد لا تتكرر كثيرا خلال العقود القادمة .

قمة بروكسل تنتهي بمؤشرات قوية نحو سياسات
.
Download • 2.06MB

وحدة الأزمات الدولية | ملف سياسات الاتحاد الأوروبي

مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org