استمرار المبادرة الفرنسية ومهلة جديدة لتشكيل الحكومة،،ماكرون يقبل التحدي ويختار المواجهة في لبنان


وحدة رصد الأزمات الدولية | الملف اللبناني

وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللوم لقادة لبنان يوم الأحد لإعلائهم مصالحهم الخاصة على مصلحة بلدهم وتعهد بالمضي قدما في جهود منع حدوث فوضى في ذلك البلد، لكن لا يملك فيما يبدو خطة بديلة إذا فشلت مبادرته.


واستقال رئيس الوزراء اللبناني المكلف مصطفى أديب يوم السبت بعد أن حاول تشكيل حكومة غير حزبية مما وجه ضربة للخطة الفرنسية التي تهدف إلى حشد زعماء ذلك البلد لمعالجة أزمته.

وقال ماكرون في مؤتمر صحفي في باريس ”أشعر بالخجل من زعماء لبنان السياسيين“. وأضاف ”لا يريد هؤلاء الزعماء، بوضوح وبحسم، احترام الالتزامات التي تعهدوا بها أمام فرنسا والمجتمع الدولي. لقد قرروا خيانة هذه الالتزامات“.


ولأول مرة، انتقد ماكرون أيضا على وجه التحديد دور حزب الله المدجج بالسلاح ونفوذ إيران، قائلا إن على الجماعة الشيعية إزالة الغموض الذي يكتنف موقفها على الساحة السياسية.

وتقضي الخطة الفرنسية بأن تتخذ الحكومة الجديدة إجراءات لمكافحة الفساد وتطبيق إصلاحات مطلوبة للحصول على مليارات الدولارات كمساعدات دولية لإصلاح اقتصاد سحقته أزمة ديون ضخمة.

لكن هناك مأزقا بسبب مطلب الجماعتين الشيعيتين الرئيسيتين، حركة أمل وحزب الله المدعوم من إيران، تسمية عدة وزراء أحدهم وزير المال الذي سيلعب دورا كبيرا في وضع خطط الإنقاذ الاقتصادي.

وانتقد ماكرون كلا من الجماعتين قائلا إنهما أغلقتا الطريق أمام جهود تشكيل الحكومة بحلول مهلة منتصف سبتمبر أيلول.

وقال ماكرون ”لا يمكن لحزب الله أن يكون في الوقت نفسه جيشا في حالة حرب مع إسرائيل وميليشيا مطلقة العنان ضد المدنيين في سوريا وطرفا يحظى بالاحترام في لبنان“، مضيفا أنه لا يرى دليلا على أن طهران تتدخل في مبادرته.


وأضاف ”هل هو حقا حزب سياسي أم أنه يمضي فقط بمنطق تمليه إيران وقواتها الإرهابية؟ أريد أن نرى ما إذا كان هناك شيء ممكن في الأسابيع القليلة المقبلة. لست ساذجا“.


وقال ماكرون إنه سيدعو شركاء دوليين في غضون 20 يوما إلى تقييم جهوده وسيعقد مؤتمرا للمساعدات بحلول نهاية أكتوبر تشرين الأول.

وقال ماكرون إن الزعماء السياسيين اختاروا ”تسليم لبنان للعبة القوى الأجنبية“ وزعزعة استقرار المنطقة.

وأمهلهم من أربعة إلى ستة أسابيع لتنفيذ خارطة الطريق التي وضعها.


وعندما سئل عما إذا كانت العقوبات مطروحة على الطاولة، فقال إنه لن ينظر في أمرها إلا في مرحلة لاحقة بالاشتراك مع قوى أخرى لأنه لا يرى استخدامها في الوقت الحالي.


| تحليل الحدث |


بدأ الرئيس الفرنسي يواجه العقبات الحقيقية التي ستعرقل عمل الحكومة المقبلة وتنفيذها للإصلاحات الاقتصادية التي طلبتها المجموعة الدولية لتقديم الدعم الاقتصادي العاجل الذي يحتاجه لبنان،

وكان من المتوقع أن تتأخر هذه المواجهة الى شهور لاحقة بعد عقد المؤتمر الدولي للمانحين الذي يسعى ماكرون لعقده وجمع أكبر قدر من الدعم الاقتصادي وبعدها تعود المناكفات الى الطبقة السياسية اللبنانية، هذا ما يفهمه أو كان يتوقعه ماكرون على الأقل في الشهور الأولى، ولكن يبدو لحسابات أخرى تتعلق بالتقسيمة السياسية اللبنانية وعدم استعداد الثنائي الشيعي للتفريط في الوزارة الأهم في خطة الانقاذ الاقتصادي " انهارت جهود مصطفى أديب " وانهار معها التوقيت الزمني المزمع لبدء الإصلالحات الضرورية .

ماكرون كان يتوقع من الطبقة السياسية اللبنانية أن تحترم تعهداتها التي قطعتها أمامه في الاجتماع الذي عقده معهم في زيارته الأولى الى بيروت، على الرغم من أن فرنسا تعرف جيدا بأن مثل هذه المواجهة قادمة لا محالة ولكن كانت تحاول تأجيلها الى أبعد وقت ممكن لإفساح المجال لحشد الدعم الاقتصادي اللازم .

على اعتبار أن كل الأطراف المعنية بالحل في لبنان تعرف جيدا بأن هذا البلد لا يملك ترف إهدار الوقت .


وعلى الرغم من كل الأثار السلبية التي رافقت اعتذار مصطفى أديب ولكن هذه الخلافات قد تكون عامل ايجابي على اعتبار بأنها ستحل قريبا سواء بالترغيب أو الترهيب، وحل هذه المشكلة قد يفسح مجال للحكومة المقبلة للعمل يديناميكية أكبر تسمح لها بالسير قُدما في طريق تحقيق الاصلاحات الهامة التي يحتاجها لبنان .

ـ استمرار المبادرة الفرنسية ومهلة جديدة …


أهم ما جاء في كلمة ماكرون هو إعلانه بشكل صريح عن استمرار المبادرة الفرنسية وعدم التراجع عن الزخم السياسي الذي تقوده باريس على المستوى الداخلي اللبناني وعلى المستوى الدولي، ويبدو بأن التعويل على تراجع باريس عبر وضع العراقيل في طريق مبادرة ماكرون سيكون غير مجدي في الفترة القادمة، وأتت كلمة ماكرون لتؤكد هذا التوجه بعد ساعات من اعتذار أديب .

وأعلن ماكرون عن منح السياسيين اللبنانيين مهلة من 4 الى 6 أسابيع لتشكيل حكومة جديدة والبدء بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، أي أنه أعاد المبادرة الفرنسية الى نقطة البداية من جديد، مع تعديل بسيط بأنه اختار المواجهة مع حزب الله بدلا من المهادنة التي اتبعها في الفترة الأولى وهذه قد تكون نقطة فارقة في الفترة القادمة .


الفرنسيين يفهمون جيدا بأن المرحلة الحالية تتطلب التعامل مع حزب الله بطريقة أو بأخرى لتمرير المبادرة الفرنسية وخطط الانقاذ الاقتصادي، ولكن كانوا يحاولون أن لا يدخلوا في مواجهة تحديد التدخلات وتحجيم الدور السياسي في هذه المرحلة، ولكن الأن فهم القائمون على مبادرة باريس وأولهم الرئيس ماكرون بأن التعامل مع حزب الله يجب أن تكون بالترغيب والترهيب، وليس الترغيب فقط .


ومن خلال كلمة ماكرون فقد طرح أسئلة مهمة حاول من خلالها استثارة الداخل اللبناني والأطراف الدولية لتحديد الطريقة التي يجب التعامل بها مع حزب الله، " هل هو حزب سياسي أو ميليشيا عسكرية " .

ـ أوراق الضغط الفرنسية …


من خلال كل هذه المعطيات يجب التساؤل هل تملك باريس حقا أوراق ضغط على السياسيين اللبنانيين وبالأخص على الثنائي الشيعي "حزب الله وحركة أمل" ،

الجواب هو نعم ولكن هذه الضغوطات يجب أن تكون مع أطراف دولية وليست فرنسا لوحدها وهذا ما أشار اليه ماكرون عندما سُئل عن خيار العقوبات فقال بأنها مطروحة على الطاولة ولكن ليس في هذا الوقت الحالي، وستكون بالتنسيق مع آخرين .


هذه الأوراق تتمحور حول عقوبات على شخصيات سياسية بعينها من كل الأطراف التي تعرقل عمل الحكومة، وهذه العقوبات قد تخرج هذه الأطراف من المعادلة السياسية الداخلية والدولية لتحولهم الى شخصيات تدير المشهد من الظل ولا تستطيع القيام بأي دور سياسي دولي أو داخلي أو أن تحظى بأي تعامل مع طرف دولي .


المحور الأخر هو البدء بالضغط على حزب الله عبر إعلان جناحه السياسي أيضا منظمة إرهابية وهذا ما تتأخر باريس في إعلانه الى هذه اللحظة، وإذا ما قامت باريس بهذه الخطوة فإن جميع دول الاتحاد الأوروبي ال 27 المتبقية ستتبعها في هذا القرار خاصة بعد إعلان ألمانيا عن هذه الخطوة منذ فترة قصيرة .


العامل الأهم هو الضغط على ايران الطرف الداعم الأكبر لحزب الله والمتحكم في اتجاهات سير المحاور السياسية الداخلية للثنائي الشيعي بطريقة أو بأخرى، وعلى الرغم من إعلان ماكرون بأنه لا يعتقد بأن إيران تتدخل في مبادرته إلا أنه يعرف جيدا بأن طهران تملك الخيار في تحديد الآليات التي قد تعرقل أو تدفع المبادرة الفرنسية في لبنان .



ويبقى التعويل على الداخل اللبناني في زيادة الضغوطات على الطبقة السياسية بالتزامن مع الضغوط الفرنسية والدولية التي ستتزايد في الأسابيع الستة القادمة .

وحدةرصد الأزمات الدولية

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org