البريكست وفوضى الإغلاق المؤقت للحدود مع بريطانيا "هل يعيد السياسيون حساباتهم "


باريس 23 ديسمبر 2020 : "بروفة مصغرة للفوضى التي يمكن أن تحدث بعد الأول من يناير"، بهذه الجملة يمكن أن نصف ماحدث خلال اليومين الماضيين من فوضى عبر قرار فرنسا وبعض الدول الأوروبية إغلاق الحدود وتعليق حركة السفر مع بريطانيا .

وبغض النظر عن خلفيات وتبعات القرار الأوروبي بإغلاق الحدود وتعليق حركة السفر مع بريطانيا ولكن ماحدث يعتبر دافع إيجابي للسياسيين في بريطانيا والاتحاد الأوروبي للتفكير جيدا وإعادة تقييم الحسابات فيما يتعلق بالخروج بدون اتفاق في 31 ديسمبر الحالي إذا لم يتم التوصل الى اتفاق تجاري نهائي قبل هذا التاريخ .


ولا يتعلق الأمر بشلل في حركة السفر وفوضى إلغاء الرحلات وتوقف للشاحنات على الحدود بين الجانبين، بل وصل الأمر الى تهديد أمن الإمدادات الغذائية لبريطانيا في مرحلة ما إذا كانت هذه الفوضى من الممكن أن تتكرر لمدة أطول بعد بداية يناير، ولا يمكن اعتبار أن الحكومة البريطانية ستكون عاجزة عن تأمين الأساسيات التي كان يتم استيرادها من دول الاتحاد الأوروبي ولكن على الأقل هي ليست جاهزة لفوضى أكبر في ظل تفشي سلالة جديدة لفيروس كورونا، بالإضافة الى الإغلاق المشدد الذي دخلت فيه البلاد بالإضافة الى جيرانها الأوروبيين .


وبالتالي يجب التفكير جيدا قبل امضاء قرار الخروج يدون اتفاق من الجانبين .


ـ المصادقة على اتفاق جديد أصبحت مستحيلة في البرلمان الأوروبي ..

اعتبر النواب الأوروبيون أن المصادقة على اتفاق يحدد شكل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمرحلة ما بعد بريكسيت قد أصبحت "مستحيلة" قبل موعدها المحدد لدخول حيز التنفيذ في 1 كانون الثاني/يناير. ودعا عدد منهم إلى الاستعداد لحالة "لا اتفاق" لأنه حتى في حال التوصل لتفاهم في الأيام القادمة فعلى الأغلب لن يكون مطبقا خلال الأيام الأولى من العام الجديد.


وكتب رئيس أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي مانفريد ويبر في تغريدة الإثنين "لقد أضاعت الألعاب السياسية في وستمنستر الكثير من الوقت. أصبح من المستحيل الآن على البرلمان النظر بالاتفاق قبل نهاية العام. لن نوافق على أي نص، إن ذلك مهم للغاية".

وحذرت النائبة الفرنسية في البرلمان الأوروبي ناتالي لويزو "في الواقع، سنكون أمام ’لا اتفاق‘، إن كان بصورة فنية أو لا، لكن في الأول من كانون الثاني/يناير سيكون هناك انفصال كبير علينا الاستعداد لذلك".

ـ الخيارات المتاحة في اللحظات الأخيرة ..

المعادلة تغيرت في الوقت الحالي في ظل حالة الفوضى والإغلاق للاقتصادات الأوروبية والبريطانية وبعد أن كانت الخيارات محصورة ب" اتفاق أو لا اتفاق "، أصبحت هناك العديد من الخيارات المطروحة على الطاولة في الوقت الحالي .


ـ اتفاق سريع مع إمكانية تصويت البرلمان لاحقا.


من الممكن التوصل الى اتفاق اللحظات الأخيرة بين الجانبين ليتم العمل به ابتداء من الأول من يناير ويتم المصادقة عليه من البرلمان الأوروبي والبرلمان البريطاني لاحقاً، وهذا الخيار مطروح بشرط التوصل الى اتفاق قبل نهاية المهلة القانونية في 31 ديسمبر.

وإذا ما توصل الجانبان الى حل يرضي جميع الأطراف في اللحظات الأخيرة فهناك العديد من الخيارات الفنية والتقنية التي يمكن اللجوء اليها لتجنب فوضى كبيرة وصدمة اقتصادية ستضرب اقتصادات الجانبين الأوروبي والبريطاني في وقت حساس للغاية .

ـ اتفاق قانوني مع تأجيل للقضايا الخلافية الثلاثة بين الجانبين ل 6 أشهر.


يرى الدكتور ناصر قلاوون الخبير الاقتصادي من لندن بأن هناك إمكانية للتوصل الى صيغة الخروج باتفاق قانوني في الموعد المحدد في 31 ديسمبر الحالي مع تعليق البت بالقضايا الخلافية الثلاثة لمدة 6 أشهر إضافية .

والقضايا الخلافية التي لم تحل بين الجانبين هي " الصيد البحري وحرية الوصول الى السوق المشتركة، وآلية حل الخلافات بين الجانبين بعد الخروج النهائي "، ويرى الدكتور قلاوون بأن ما حدث من فوضى في الأيام الماضية سيكون دافع للسياسيين في بروكسل وبريطانيا للتفكير بإيجاد أي صيغة لحل الخلافات بدون الذهاب الى خيار الخروج بدون اتفاق .

ـ تأجيل الاتفاق النهائي ل 3 أو 6 أشهر .


وهو خيار مطروح في الوقت الحالي بعد أن كان مرفوض تماما من قبل حكومة جونسون وكذلك عدد من المسؤولين الأوروبيين، ولكن صدمة الإغلاقات الجديدة والفوضى جراء السلالة الجديدة من فيروس كورونا قد تدفع الجانبين الى تبني مثل هذا الخيار .

ـ الخروج بدون اتفاق في 31 ديسمبر وتحمل العواقب .


يبقى خيار الخروج بدون اتفاق هو الأبعد في الوقت الحالي ولكن تصريحات الجانبين الأوروبي والبريطاني كانت تشير دائما الي الاستعداد الى مثل هذا الخيار في الأيام القادمة إذا لم يتم التوصل الى اتفاق اللحظات الأخيرة .

وعلى الرغم من أن الفوضى التي حدثت بإغلاق الحدود مع بريطانيا في اليومين الماضيين يمكن أن تكون دافع لعدم الوصول الى هذا الخيار، إلا أنها يمكن أن تكون أيضا دافع عكسي بهذا الاتجاه، بمعنى أن الاقتصادات مغلقة في بريطانيا وأوروبا والفوضى تضرب الاقتصاد بسبب السلالة الجديدة من كورونا، وبالتالي فإن خسائر إضافية لبريكست بدون اتفاق يمكن تحميلها أيضا على فاتورة الخسائر الاقتصادية الضخمة التي تسببت بها جائحة كورونا بموجاتها القديمة والجديدة .

وترى الأستاذة منال لطفي مديرة مكتب جريدة الأهرام في لندن والمتخصصة في الشؤون البريطانية بأن الفوضى التي حدثت خلال الأيام الماضية تعطي نوع من التحذير الضمني الى حكومة جونسون و حزب المحافظين والقطاعات الاقتصادية البريطانية التي تعتمد على التعامل اليومي مع القارة الأوروبية بأن هناك تحذيرات حقيقية من نقص الإمدادات في الغذاء والأدوية وحتى المصل الخاص بلقاح كورونا .

وترى السيدة لطفي بأن هذه التحذيرات دعت السلطات في بريطانيا للإعلان بأنها سترسل طائرات عسكرية الى بلجيكا لنقل اللقاح الخاص بكورونا في حال استمر إغلاق الحدود بين فرنسا وبريطانيا، وترى بأن الفوضى التي حدثت في ميناء دوفر جعلت الحكومة البريطانية تعرف بشكل عملي ماهي الأضرار التي يمكن أن تحدث لخروج بدون اتفاق في نهاية ديسمبر الحالي .

ومن خلال كل ما سبق ذكره فإن التوصل الى اتفاق نهائي قبل 31 ديسمبر هو الحل الأمثل أو الوصول الى صيغة تؤجل حل القضايا الخلافية أو تؤجل موعد البت بالاتفاق النهائي، في خلاف ذلك، ستخضع المبادلات بين الاتحاد الأوروبي ولندن إلى قواعد منظمة التجارة العالمية أي أنه سيتمّ فرض رسوم جمركية وحصص، مع عواقب وخيمة على اقتصادات تعاني أصلا بسبب أزمة وباء كوفيد-19.



البريكست وتأثيرات الإغلاق المؤقت للحدود
.
Download • 2.06MB

وحدة رصد الأزمات الدولية | ملف البريكست

مركز جنيف للدراسات السسياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org