الاتفاق الروسي التركي … خطأ تركيا الاستراتيجي والمواقف الأوروبية والأمريكية


ناصر زهير / باحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي


انتهت قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان بتوقيع وثيقة مشتركة تشمل عدة نقاط لتسوية الأوضاع في إدلب السورية بينها وقف إطلاق نار وإنشاء ممر آمن، ولكن هذه الوثيقة التي تعتبر بروتوكول مكمل ل "اتفاق سوتشي 2018" لم تكن على مستوى التوقعات المنتظرة للوصول الى حل نهائي أو معقول لمشكلة ادلب .

فمع بدء العملية العسكرية التي بدأتها تركيا بعد مقتل 34 من جنودها في ادلب، كان الهدف المعلن هو إعادة قوات النظام السوري والميليشيات التي تدعمها إلى حدود سوتشي التي كان متفق عليها في السابق مع روسيا، واختارت تركيا أن تفتح حدودها للاجئين للضغط على أوروبا لتأمين دعم سياسي لها في مواجهة موسكو وهذا ما استجاب له الأوروبيون على الرغم من التصريحات والمناكفات المتبادلة حول ورقة اللاجئين وفيما إذا ما كان يتم استخدامها للابتزاز السياسي من عدمه .

أيضا كانت هناك تحركات على مستوى حلف الناتو وعقد اجتماع طارئ لدول التحالف لمناقشة تطورات الوضع في ادلب، وبدأت اتصالات بين الرئيسين ترامب وأردوغان وأعلنت تركيا طلبها من واشنطن نشر صواريخ باتريوت في تركيا دعماً لها في المواجهة التي كانت محتملة مع روسيا، ومع تصاعد التصريحات الأمريكية حول دعم تركيا من عدمه كان من الواضح استخدام ترامب لهوايته المفضلة. وهي الضغط والتفاوض، فلا صفقات مجانية بالنسبة لترامب، والملف الأبرز الذي كان مطروح للنقاش كان منظومة s400 الروسية ومناقشة مدى تنامي التحالف الروسي التركي، أي أن واشنطن حاولت سحب أنقرة الى صفها بالكامل كما كانت طوال العقود الماضية .

ومع كل هذا الزخم في التحركات العسكرية والدبلوماسية تم الإعلان عن عقد قمة رباعية تجمع روسيا وفرنسا وألمانيا وتركيا لمناقشة الملف السوري، وكانت هذه القمة ستكون حاسمة نوعا ما في تحديد المسارات التي سيتم اتباعها مستقبلاً، ولكن بعد يوم واحد صرّح الرئيس التركي أردوغان أمام أعضاء من نواب حزبه، بأن بوتين يُفضل أن يتم حل هذا الخلاف فيما بيننا من دون تدخل أطراف أخرى، وفعلا خرج الكرملين بتصريح مفاده أن القمة القادمة ستكون إما ثلاثية بين روسيا وايران وتركيا أو ستكون ثنائية بين روسيا وتركيا فقط، وهذا ما حدث لاحقا . خطأ تركيا الاستراتيجي بالاتفاق مع روسيا مرة أخرى … ولكن في ظل كل هذه المعطيات السابقة هل أخطأت تركيا بالاتفاق مع روسيا وتوقيع الوثيقة التكميلية و وقف إطلاق النار، وهل كان أمامها خيارات أخرى يمكن تطبيقها في قضية إدلب ؟؟ الإجابة ببساطة هي نعم ،، كان هناك العديد من الخيارات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية التي كان من الممكن اتخاذها ولكن تركيا فضلت الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا وعدم السماح لما يجري بإدلب بتدمير هذه العلاقة، وهو خيار قد يكون واقعي من قبل أنقرة ولكن هذا في حالة أن موسكو ستحترم الاتفاق الذي تم توقيعه إو أنها احترمت الاتفاقات السابقة في سوتشي والآستانه من الأساس . بالتالي فإن ما تم التوقيع عليه اليوم ليس سوى هدنة ليست بطويلة الأمد بالنسبة لروسيا والنظام وهي فرصة لتثبيت مواقعها التي سيطرت عليها في الهجوم الأخير وحشد الدعم العسكري والسياسي لبدء هجوم أخر على باقي المناطق في ادلب وقد يكون هذا الهجوم أقرب بكثير مما يتخيله الأتراك . ماهي الخيارات الأخرى التي كانت مطروحة أمام تركيا .. ولكن هل كان هذا الاتفاق هو الخيار الوحيد أمام أنقرة؟، باعتقادي لا، فقد كان هناك الكثير من الخيارات التي يمكن اللجوء اليها في مرحلة ما . الخيار الأول : كان استجرار الأوروبيين الى الدخول في الملف السوري والاصرار على عقد القمة الرباعية ومشاركة فرنسا وألمانيا وخاصة بعد بدء العملية العسكرية التركية ، وأعتقد بأن روسيا كانت ستقبل بهذا الخيار إذا ما أصرت تركيا عليه، والأوروبيون أيضا سيدخلون في هذه القضية بكامل ثقلهم لأنها تمثل تحدي كبير بالنسبة لهم وهو موجة لجوء جديدة قد تكون أسوأ من التي حدثت عام 2015 . وكان يمكن للأوروبيين وضع كامل ثقلهم السياسي والاقتصادي في الضغط على روسيا لوقف هجومها على ادلب وتبني آليات تضمن إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا وتوضع هذه المناطق تحت حماية الناتو إذا لزم الأمر ، هذه هي وجهة النظر الأوروبية ما وراء الكواليس ولكن هذا الخيار لم يعجب الروس والأتراك على حد سواء فهم يفضلون أن يكونوا منفردين في العمل في هذه المنطقة رغم أن صداماتهم أكثير بكثير من النتائج الجيدة لعملهم المشترك . الخيار الثاني : يأتي بالاتجاه نحو الاستعانه بالولايات المتحدة في الضغط عل روسيا والتفاهم مع واشنطن حول الملفات الخلافية وأبرزها منظومة ال s400، و إعادة النظر في التحالف الاستراتيجي الذي تم مع موسكو في السنوات الأخيرةو وهذه الخيارات كانت ستسيل لعاب واشنطن لتوجيه ضربة دبلوماسية كبرى لروسيا بسحب حليف قوي في المنطقة كان في بداية تحالف استراتيجي كبير معها، وحتى وإن لم يحدث هذا فإن التلويح بورقة التفاهم مع واشنطن كانت ستجعل بوتين يعيد حساباته مرة أخرى في الهجوم على ادلب والتفاهم مع أنقرة حتى لا يخسر دولة تعتبر حليفة اقتصادية كبرى له قبل أن تكون حليفة استراتيجية . بالتالي فقد كان بالإمكان أمام تركيا أفضل بكثير مما كان، و إذا استطاعت الحفاظ على هذا الاتفاق الهزيل مع الروس فأن ذلك سيكون جيدا ، رغم اليقين بأن روسيا ستعود لتشن هجومها على ادلب من جديد بعد عدة أشهر وربما قبل ذلك وسنعود الى نفس الدوامة من جديد . ما هو الموقف الأوروبي والأمريكي … هل كانت تركيا وحيدة في مواجهة روسيا في شمال سوريا؟، وهل كان الموقف الأمريكي والأوروبي رافض لمساعدة أنقرة في تلك المواجهة. الجواب بالحد الأدنى : لا .. فقد كان هناك الكثير من التصريحات الداعمة لأنقرة من قبل واشنطن والأوروبيين ولكنها لم تكن بالقوة المرجوة ولكن على الأقل فهم لم يتخلوا عن أنقرة . الموقف الأمريكي … كانت التصريحات الأمريكية منذ اندلاع الأزمة بين موسكو وأنقرة داعمة لتركيا وأبدت واشنطن استعدادها لدعم أنقرة والعمل على سحبها الى جانبها في التحالف الاستراتيجي في المنطقة بعد التباعد الذي حدث فيما بينهم في السنوات الأخيرة، وجرت هناك اتصالات بين ترامب وأردوغان وتم فتح الحديث عن تزويد تركيا بصواريخ باتريوت لدعمها في المواجهة مع روسيا ، ولكن على الجانب الأخر فقد كانت هناك شروط لواشنطن بعضها مقبول والبعض الأخر لا ، ولكن في النهاية كان يمكن الوصول الى حل مرضي للطرفين، ومن الطبيعي أن لا تقبل واشنطن بتزويد أنقرة بصواريخ الباتريوت قبل التفاهم حول صفقات صواريخ ال s400 التي اشترتها من روسيا . وكان بمقدور واشنطن فعل الكثير إذا ما حدث توافق بينها وبين أنقرة حول الوضع في شمال سوريا وخاصة التلويح بورقة الناتو لفرض حظر طيران ومناطق آمنة، وهي قادرة على فعل ذلك بسهولة وحتى خارج مجلس الأمن، ولكن يبدو بأن ملف الأحزاب الكردية والخلافات في وجهة النظر بين الطرفين كان الأقوى . الموقف الأوروبي … إذا ما نظرنا الى الموقف الأوروبي فقد تحرك الأوروبيون بسرعة لدعم تركيا سياسياً على الأقل في موضوع ادلب، وكانت فرنسا وألمانيا هي رأس الحربة في هذه التحركات عبر الاتصالات المكثفة التي تم اجرائها مع الرئيسين بوتين وأردوغان والتي أفضت الى الاتفاق على عقد قمة رباعية تجمع الأوروبيون وروسيا وتركيا. حتى وإن كان الدافع في هذه التحركات هو الخوف من موجة لجوء جديدة الى أوروبا ولكنها جيدة نوعا ما وكان يمكن استغلالها بشكل كبير لحشد الدعم الدولي في مواجهة موسكو . فإذا نظرنا الى المواقف الأوروبية الأخيرة فقد صرحت وزيرة الدفاع الألمانية عن احتمال فرض عقوبات اقتصادية على روسيا إذا ما استمرت في سياساتها في ادلب، وألمحت إلى أن العلاقات الاقتصادية الروسية الألمانية كبيرة جدا ويمكن استغلالها للضغط على موسكو كما حدث في قضية أوكرانيا . وأعادت وزيرة الدفاع الألمانية طرح فكرة دعم إنشاء المناطق الآمنة في شمال سوريا وهي فكرة تحظى أيضا بموافقة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ، وكان يمكن العمل على إنشاء هذه المناطق وحمايتها من قبل الناتو أو الأمم المتحدة إذا ما فشلت القمة الرباعية التي تم الإعلان عنها وإلغائها لاحقا . أيضا كانت هناك دعوات من هولندا لفرض حظر طيران فوق شمال سوريا لحماية المدنيين ، وهذه الاقتراحات والتصريحات كانت تلويح من قبل الأوروبيون بالأوراق التي يمتلكونها للضغط على روسيا. ولكن الأوربيون يقولون ببساطة " لا يمكنكم إدخالنا بالملف السوري متى أردتم وإخراجنا منه باتفاقات ثنائية مع روسيا متى ما أردتم " في النهاية يبقى الترقب هو سيد الموقف إذا ما كان سيتم تطبيق هذا الاتفاق والالتزام به أم لا، وهل ستعود روسيا والنظام الى خرق الاتفاق بعض عدة شهور وقضم مزيد من الأراضي قبل الوصول إلى حل سياسي شامل للقضية السورية بحسب الأجندة الدبلوماسية الدولية . ولكن كان بإمكان تركيا التعامل مع الأزمة بشكل أفضل وكان من الممكن تدويل القضية وجلب الأوروبيون للجلوس على طاولة التفاوض مع الروس واستخدام كافة أوراق الضغط المتاحة، وكان من الممكن أيضا التفاهم مع واشنطن حول الملفات الخلافية و الزج بالناتو لحماية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المعتدلة بانتظار حل سياسي شامل للحرب في سوريا .