تحركات الأمم المتحدة في ليبيا ..بين أخطاء الماضي والخطوات الواقعية للحل السياسي


ناصر زهير / مستشار في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

قالت بعثة الأمم المتحدة لليبيا في وقت متأخر من مساء الاثنين إن الطرفين المتحاربين في البلاد اتفقا على بدء محادثات لوقف إطلاق النار بعد قتال مكثف دام أسابيع قرب العاصمة طرابلس .

وقالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في بيان نشرته على الإنترنت إنها رحبت بخطة استئناف المحادثات التي تستند إلى اجتماعات ما يطلق عليه 5+5 التي شملت خمسة مسؤولين بارزين من كل طرف.

خطوة تحرك الأمم المتحدة وإعلان التوصل الى توافق بين طرفي الصراع لبدء محادثات هدنة في ليبيا قد تكون ايجابية ومهمة في هذا التوقيت ولكن:

* ماهي الأسس التي سيتم بموجبها استئناف المحادثات السياسية بين الطرفين؟

* هل سيكون مؤتمر برلين ومخرجاته هما المحرك لهذه المحادثات أم سيكون هناك اجتماع دولي قريب بشأن ليبيا؟

* ماهو موقف الدول الأوروبية من هذه المحادثات وهل ستضغط الأطراف الأوروبية والولايات المتحدة لضمان وقف اطلاق النار؟

* ماهي الضمانات لهذه المحادثات السياسية وكيف يمكن تحويل وقف اطلاق النار الى هدنة دائمة؟


جميع هذه المحاور هي نقاط مهمة لتحديد الشكل المحوري لأي محادثات جديدة بين طرفي الصراع في ليبيا، فلا يمكن الذهاب الى محادثات سياسية وتطبيق هدنة مؤقتة وعقد اجتماعات مكثفة على المسارات السياسية والعسكرية وبعدها بأسابيع أو أشهر تبدأ العمليات العسكرية بين طرفي الصراع لنعود الى المربع الأول من جديد .


ولا يمكن أن نقول بأن كل التجاذبات والتطورات الأخيرة في ليبيا واتخاذ شكل الصراع منحى دولي بدأ بصدامات تركية إقليمية أوروبية وانتهى بصدام دبلوماسي واتهامات متبادلة بين روسيا والولايات المتحدة، سيتم حلها وتهدئة الأزمة بعقد محادثات بين الطرفين لبدء هدنة جديدة.

الهدنة هي خطوة أولى بسيطة جدا ولكن يجب أن يتبعها الكثير من الخطوات المتسارعة لتهدئة الأوضاع على الأرض وبدأ تحرك سياسي حقيقي يضمن وضع أسس للحل السياسي في ليبيا .


ولا يمكن الحديث عن مؤتمر دولي يكون جامع للدول الفاعلة في ليبيا أكبر من مؤتمر برلين الذي تم عقده مؤخرا وجمع كل الدول الفاعلة بشكل قريب أو بعيد في الملف الليبي، ولكن لم يتم تنفيذ أي مخرجات المؤتمر ولا التعهدات التي تم الاتفاق عليها بين جميع الأطراف .

كما أن استقالة مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة كانت مفاجئة للجميع وشكلت ضربة لجهود الأمم المتحدة في ليبيا، وبالتالي فنحن بحاجة الى العديد من التحركات السريعة في الملف الليبي وتتضمن :


* أولاً : عقد اجتماع دولي سريع يشمل جميع الدول الفاعلة في الملف الليبي ويكون هذا اللقاء نقطة انطلاق لمفاوضات حقيقية بين جميع الأطراف للوصول الى صيغة توافقية تضمن وقف دائم لإطلاق النار وبدء محادثات تضمن الحل السياسي في ليبيا تحت مظلة الأمم المتحدة .


* ثانياُ : تعيين مبعوث خاص للأمم المتحدة بشكل دائم بدلا من غسان سلامة والمبعوثة الأممية المؤقتة التي لم تفعل الكثير منذ استلامها للملف الليبي، ويجب أن يتمتع المبعوث الجديد بالحد الأدنى من التوافق بين جميع الأطراف حتى يستطيع القيام بدور حقيقي يضمن تهدئة دبلوماسية بين جميع الأطراف المتصارعة في ليبيا .


* ثالثاُ : عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن يضمن مناقشة الأوضاع في ليبيا ويتخذ عدد من القرارات الدولية تضمن فرض وقف دائم لإطلاق النار حتى لو استدعى الأمر ارسال قوات دولية لمراقبة تطبيق هذا القرار، ويبدو من تجربة السنوات التسعة الماضية بأننا بحاجة الى مثل هذا القرار في ليبيا .

كما يجب اتخاذ قرار من مجلس الأمن يمنع التدخلات الدولية وارسال المقاتلين والأسلحة من جميع الأطراف، والأهم فرض عقوبات قاسية ورادعة على الدول التي تنتهك هذا القرار مهما كانت هذه الدول قريبة أو بعيدة من أي طرف من أطراف الصراع .


* رابعاُ : وضع خطة عمل أممية تضمن مرحلة انتقالية يتم تحديد شكلها من قبل طرفي الصراع في ليبيا بمشاركة دولية، وتتضمن هذه المرحلة خارطة طريق واضحة لاجراء انتخابات جديدة وتشكيل مجلس حكم انتقالي يقود هذه المرحلة .

هذه الخطوات أو أي اجراءات مشابهة هي الحل الوحيد للأزمة الليبية فقد أثبتت سنوات الصراع الماضية بأن الحل لن يكون عسكري ولا يمكن لأحد الأطراف أن يحسم الصراع لصالحه مهما كانت الدول الداعمة له ، وكلما تأخرت الخطوات الحقيقية للحل في ليبيا تكبر دائرة الصراع أكثر ويبرز لاعبون دوليون جدد قد يصعب اخراجهم من المعادلة في مرحلة لاحقة .


والصدام الروسي التركي في ليبيا أصبح قريبا جدا ، وسيناريو تحول ليبيا الى سوريا جديدة لم يعد بعيدا وعلى الدول الأوروبية أن تنتبه جيدا لمصالحها في شرق المتوسط، فالخلافات الفرنسية الإيطالية لا يمكن استمرارها لإعاقة الحل النهائي في ليبيا على الرغم من أن الأوروبيون أصبحوا جزء من مثلث الصراع الدولي في ليبيا بعد أن كانوا يمسكون بخيوط اللعبة لفترة طويلة.

كما أن مشكلة وتعقيدات الملف الليبي لا تتعلق بالصراع الداخلي في البلاد فقط بل تمتد للصراع في شرق المتوسط وحرب النفط والغاز القادمة وإن كانت سياسية ودبلوماسية في البداية ولكنها قد تتطور في أي لحظة لتصبح حرب عسكرية .

كما أن بوابة أفريقيا ومنفذها على البحر المتوسط يجعلان من ليبيا نقطة صراع نفوذ دولي يريد الجميع أن يكون له موطئ قدم ونفوذ سياسي وعسكري واقتصادي في مرحلة لاحقة .


ومع كل الصراعات والمصالح المتضاربة للدول الكبرى في ليبيا يبدو بأن الحل لا بد أن يخرج من مظلة الأمم المتحدة حتى لا يكون هناك غالب ولا مغلوب، فما بين فرنسا وايطاليا وتركيا وروسيا والولايات المتحدة والدول الإقليمية الجارة لليبيا لا يمكن الحديث عن حل عسكري يضمن حسم الصراع لأحد طرفي الصراع في ليبيا، والتأخر في الوصول الى حل سياسي قد يعقد المسألة الليبية أكثر ويجعلها أرض خصبة لصراعات دولية متصاعدة في السنوات القادمة .


ناصر زهير

مستشار العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي

في مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية