خيارات الدول الأوروبية في أفغانستان.. هل يدفع الغضب الأوروبي من واشنطن نحو استراتيجية أوروبية مستقلة


وحدة الأزمات الدولية | ملف الاتحاد الأوروبي وأفغانستان

باريس 17 أغسطس 2021 - حالة من الفوضى العارمة عاشتها العاصمة الأفغانية كابول بعد أن باتت أفغانستان في قبضة طالبان مع انهيار القوات الحكومية وفرار الرئيس أشرف غني من البلاد، فيما احتشد آلاف الأشخاص يائسين في مطار كابول لمحاولة الهروب وسط حالة من الفوضى العارمة.


وبالتزامن مع الانهيار الكبير في أفغانستان وسيطرة قوات طالبان على العاصمة عاشت العواصم الأوروبية ليلة صعبة من أجل العمل على تأمين البعثات الدبلوماسية الأوروبية والرعايا الأوروبيون والمتعاقدين الأفغان معهم، وسارعت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا الى إرسال قوات عسكرية محدودة الى كابول من أجل المساعدة في تأمين خروج الرعايا الأوروبيون من حالة الفوضى العارمة التي يعيشها المطار الذي لا زال خارج قبضة طالبان .


وبالتزامن مع الكارثة الكبرى بدأت الحكومات الأوروبية في كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بعقد اجتماعات مكثفة من أجل التعامل مع الوضع المتردي في أفغانستان وترأس الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون، اجتماعاً طارئاً لمجلس الدفاع، عبر تقنية الفيديو .

وأضح الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون ‘‘يتابع ساعة بساعة التدهور المقلق للغاية للوضع’’ في أفغانستان، وأن الحكومة تبذل كل ما في وسعها لضمان سلامة الفرنسيين الذين ما زالوا في أفغانستان، وأن تلك هي ‘‘أولويتها المطلقة’’.

الخارجية الفرنسية، من جانبها، قالت في بيان إنه في مواجهة التدهور السريع للغاية للحالة الأمنية في أفغانستان، قررت السلطات الفرنسية نقل سفارتها إلى موقع مطار كابول، الذي ما يزال عاملاً ونشطًا من أجل المضي بشكل خاص في إجلاء جميع الفرنسيين الموجودين في أفغانستان. وأشارت الوازرة إلى أن عمليات الاجلاء المنظمة للمواطنين الفرنسيين جارية منذ أسابيع


على الجانب الأخر بدأت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تحركاتها واجتماعاتها مع كبار مسؤولي الحكومة الألمانية والحزب الحاكم، وقالت ميركل في اجتماع للهيئة العليا للاتحاد المسيحي الحاكم (يمين وسط)، صباح الإثنين: "نحن نمر بساعات صعبة.. والآن علينا التركيز على الإجلاء"، في إشارة إلى عملية إجلاء الدبلوماسيين والرعايا الألمان من كابول، والتي بدأت الأحد.

وفيما لفتت ميركل إلى أن قرار الانسحاب من أفغانستان اتخذه الأمريكيون في نهاية المطاف، أوضحت أن هذا الأمر تم أيضا لـ"أسباب سياسية داخلية" لم تأت على تفاصيلها.


وأضافت ميركل: "كان هناك تأثير الدومينو بعد انسحاب القوات"، في إشارة للانهيار السريع للقوات الأفغانية بمجرد انسحاب الجزء الأكبر من القوات الأجنبية.

وعلقت المستشارة الألمانية أيضا على موجة محتملة من اللاجئين الأفغان لأوروبا، قائلة "تعتمد قدرة الأفغان على مغادرة البلاد الآن على طالبان والوضع على الحدود".

- غضب أوروبي من الإدارة الأمريكية -

تشعر الدول الأوروبية بأن الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت متسببة بالحرب في أفغانستان قد اتخذت خطوة الانسحاب من دون التنسيق مع حلفائها الأوروبيين بشكل كافي يضمن المصالح الأوروبية وعدم تعرض القارة الأوروبية لمخاطر الانسحاب غير المدروس وسيطرة حركة طالبان والحركات المتطرفة على أفغانستان من جديد .


وعبرت أنغيلا ميركل عن الغضب الأوروبي ورؤيتهم لقرار الانسحاب الأمريكي في اجتماعها مع قيادات الحزب الحاكم الألماني عندما قالت بأن الانسحاب من أفغانستان اتخذه الأمريكيون وأن هذه القرار كان لأسباب سياسية داخلية، ولم تخض ميركل في تفاصيل هذه الأسباب الداخلية الأمريكية ولكنها إشارة من الزعيمة الألمانية الى أن الولايات المتحدة تتصرف وفق المصالح الأمريكية من دون مراعاة مصالح حلفائها في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو .

- خيارات الدول الأوروبية في أفغانستان -


لا توجد الكثير من الخيارات أمام الدول الأوروبية لاتباعها في أفغانستان بعد الفوضى العارمة التي تسبب فيها قرار الانسحاب الأمريكي المفاجئ والذي تسبب في سيطرة حركة طالبان على البلاد من جديد .

وعلى الرغم من الغضب الأوروبي من واشنطن إلا أن خيار التنسيق مع الأمريكيين لا يزال الخيار الوحيد تقريبا أمام قادة بروكسل ولكن هذا التنسيق سيكون حذر جدا ومتسق بعدم الثقة خاصة وأن قادة بروكسل يدركون جيدا بأن الاتحاد الأوروبي سيكون الخاسر الأكبر على المدى المتوسط والقريب من سيطرة طالبان على أفغانستان سواء عبر موجات الهجرة غير الشرعية المتوقعة من أفغانستان أو مخاطر عودة التنظيمات المتطرفة للعمل في أفغانستان والتي ستقوم بشن ضربات ارهابية على الأهداف الغربية الأضعف داخل الاتحاد الأوروبي .

وفي إطار الموقف الفرنسي خاطب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الإثنين مواطنيه ليتحدث عن الأوضاع في أفغانستان بعد سقوط الحكومة وسيطرة حركة طالبان على البلاد.

وفي معرض حديثه عن الخطوات التي تتخذها باريس لإجلاء الرعايا الفرنسيين، أعلن عن إرسال طائرتين عسكريتين مصحوبة بقوات للمساعدة في هذه العملية. كما أعلن ماكرون عن استقبال باريس لنحو 800 أفغاني من الذين عملوا مع فرنسا في أفغانستان. وقال ماكرون إن فرنسا ستخرج بمبادرات مع الدول الحليفة مثل بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة لضمان منع تحول أفغانستان مجددا إلى معقل للإرهاب.


ولم يوضح الرئيس الفرنسي ماهو شكل المبادرة التي تفكر فرنسا في طرحها على الحلفاء وهل ستكون مجدية في هذا الإطار، النقطة الأهم هي أيضا في مدى ثقة الدول الأوروبية وبريطانيا في التعامل مع الولايات المتحدة مرة أخرى في مسار الوضع في أفغانستان بعد الانتقادات الحادة التي وجهها الأوروبيون للإدارة الأمريكية بسبب هذا الانسحاب السريع والغير مدروس ولكن الدول الأوروبية لا زالت محكومة في مسار التعاطي مع الولايات المتحدة ضمن حلف الناتو والشراكة الأوروبية الأمريكية .

التنسيق مع روسيا والدول الإقليمية ..


يبرز خيار أخر أمام الدول الأوروبية وربما يكون أحد الخيارات الصعبة التي يمكن أن تتخذها العواصم الأوروبية من أجل الوصول الى أقل الخسائر في الوضع الأفغاني.

ويمكن للدول الأوروبية التعاون مع الدول الإقليمية ودول الجوار الأفغاني بالإضافة الى روسيا والصين في منع تحول أفغانستان الى معقل للحركات الجهادية مرة أخرى ومنع انفلات الوضع الى ما يشبه الحرب الأهلية وما سينعكس عليه من فوضى عارمة ستتأثر بها دول الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر عبر موجات الهجرة غير الشرعية بالإضافة الى ارتدادات نشاط الجماعات المتطرفة .


ويمكن أن يكون هناك استراتيجية دولية وإقليمية لترويض حركة طالبان واستخدام سياسة العصا والجزرة لتشجيع الحركة على اتباع مسار أكثر ليونة ومرونة في تأمين أدنى المعايير المطلوبة لتقبل وجود الحركة في حكم أفغانستان .

ولا زالت الخيارات الأوروبية وبلورتها بشكل نهائي ستكون محصورة في تطورات المستقبل القريب حول الشكل الذي ستتبعه طالبان في حكم أفغانستان ولكن الدول الأوروبية يجب أن تتحرك بسرعة اكبر، ولا خيار سوى بالتعاون مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في أفغانستان وعلى رأسها باكستان وروسيا ودول الجوار بالحد الأدنى .

وحدة الأزمات الدولية | ملف أفغانستان والاتحاد الأوروبي

مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org