أبعاد مؤتمر مستقبل أوروبا.. وما الذي تحتاجه أوروبا لاتحاد أكثر قوة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً


وحدة الدراسات الأوروبية | ملف الاتحاد الأوروبي

باريس ١٠ مايو ٢٠٢١ - دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأحد إلى اتحاد أوروبي أكثر مرونة، و"أكثر سرعة وحزما" في اتّخاذ القرارات، وذلك في افتتاح المؤتمر حول مستقبل أوروبا الذي يشكل إطارا لمشاورات واسعة النطاق مع المواطنين عبر منصة رقمية.


ومن المفترض أن يفضي "المؤتمر حول مستقبل أوروبا" الذي نظم بمبادرة من الرئيس الفرنسي، إلى قرارات في ربيع 2022، حين تتسلم فرنسا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي.


وفي قاعة البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ التي تحوّلت إلى ما يشبه الاستوديو التلفزيوني، قال ماكرون "في مواجهة نزعة التسلّط، الرد الصائب الوحيد هو سلطة الديموقراطية" التي "لا تكتسب إلا بالفاعلية والسرعة".


من جهتها قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين "نحن في توقيت بالغ الأهمية للشباب لكي يتمكّنوا من التعبير عن آرائهم".

- عنوان صغير لتفاصيل كبيرة نحو إصلاح الاتحاد الأوروبي -

يعتبر مؤتمر مستقبل أوروبا عنوان صغير لخطط كبيرة نحو إصلاح الاتحاد الأوروبي وبناء استراتيجيات جديدة للاتحاد الأوروبية مبني على الاستقلالية الذاتية في السياسات الدفاعية والاقتصادية والسياسية، وبدات هذه التوجهات لدى الدول التي تقود الاتحاد الأوروبي حاليا " فرنسا والمانيا "، منذ أن بدأت البريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالإضافة الى السياسات التي اتبعها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في التعامل مع الاتحاد الأوروبي وهو ما سبب شرخا كبيرا في العلاقات بين ضفتي الأطلسي لتتوج أخيرا تلك الدوافع بتأثيرات جائحة كورونا التي فرضت التوجه نحو تغيير السياسات وبناء اتحاد أوروبي أكثر قوة وصلابة .

- تحديات كبيرة في طريق الإصلاح والبناء -

هناك الكثير من التحديات الكبرى التي تواجه فرنسا وألمانيا في طريق إصلاح مؤسسات الاتحاد الأوروبي واستراتيجياته، وإن كانت فرنسا عبر رئيسها ايمانويل ماكرون هي صاحبة أغلب المبادرات إلا أن ألمانيا لها دور كبير في دعم هذا التوجه نحو النجاح .


ويمكن تلخيص توجهات الاستراتيجيات الجديد عبر عدة نقاط شديدة الأهمية حتى وأن لم يتم الإشارة اليها بشكل صريح في التصريحات الرسمية .


  • إصلاح آلية التصويت واتخاذ القرار . هذه النقطة تعتبر مهمة جدا في إطار إصلاح مؤسسات الاتحاد الأوروبي وآلية اتخاذ القرار وبناء أوروبا جديدة، فالآلية المتبعة حاليا بضرورة موافقة دول الاتحاد ال ٢٧ حول أي قرار تعتبر سلبية جدا في توجهات اتخاذ القرارات المناسبة لمصلحة الاتحاد الأوروبي . وطالما كانت الموافقة على ميزانيات الاتحاد الأوروبي والقرارات المهمة موضع مساومة من قبل بعض دول الاتحاد وخصوصا دول أوروبا الشرقية . وبالتالي يجب تغيير هذه الاستراتيجية حتى يكون القرار بأغلبية الأصوات بدلا من الإجماع وهذا ما أشارت اليه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عندما عرقلت كل من هنغاريا وبولندا إقرار الميزانية الأوروبية للمساومة حول قضايا داخلية خاصة بالدولتين . وسيكون هذا التغيير ضروريا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي إذا ما أرادت دول الاتحاد أن يكون للكيان الأوروبي قوة اتخاذ القرار في اللحظات المناسبة . ولا يمكن التخلي عن هذه النقطة مهما تم تأجيلها وإلا فإن مصير المشروع سيكون الفشل من كما كل المبادرات الماضية، فمن حيث الواقعية السياسية لا زالت دول مثل الولايات المتحدة وروسيا وحتى الصين تمتلك تأثير على أمكانية دفع أي دولة من دول أوروبا الشرقية أو الدول التي ترتبط بمصالح كبرى مع الصين الى عرقلة أي مشروع داخل المفوضية الأوروبية .


  • بناء القوة الأوروبية العسكرية المشتركة . هذا المشروع الطموح يجب أن يكون أولوية لدى دول الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب ولا يمكن إغفال هذا التوجه أبدا، فقوة القرار والنفوذ السياسي تحتاج الى قوة عسكرية لحمايتها.. وهذه القوة العسكرية يجب أن تعمل وفق مصالح الاتحاد الأوروبي وليس وفق مصالح دولية كما يحدث في حلف الناتو . وحاولت فرنسا اقتراح مشروع الجيش الأوروبي المشترك ولكن هذا المشروع يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي ولا يمكن التعويل على نجاحه لذلك فإن الخيار البديل والاسرع حاليا هو بناء قوة عسكرية أوروبية مشتركة تحت مظلة نووية أوروبية فرنسية على اعتبار بأن فرنسا هي الدولة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي حاليا بعد خروج بريطانيا من التكتل . وأثبت حلف الناتو بأنه غير مفيد للأوروبيين في الدفاع عن مصالحهم سواء في قضية شرق المتوسط أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وفي المناسبتين اضطرت الدول الأوروبية الى إرسال قوات أوروبية مشتركة لحماية مصالحها ولكن هذه القوات كانت في إطار مؤقت ولم تكن مشروع استراتيجي بعيد المدى للأوروبيين . وتبحث الدول الأوروبية في الوقت الحالي تشكيل قوة عسكرية للتدخل السريع وقد تكون هذه القوة مفتاح لإنشاء القوة الأوروبية المشتركة ولكن هذا المشروع يحتاج الى الكثير من الجهد والعمل من أجل إقناع دول الاتحاد ال٢٧ في إطار الدفع نحو هذا المشروع سواء من الإمكانيات العسكرية والتمويل . ويمكن تخفيض المساهمة الأوروبية في حلف الناتو التي وصلت الى ٢٪ من الناتج القومي للدول الأوروبية لتصبح ١٪ ، وتخصيص الجزء المتبقي لتمويل القوات الأوروبية المشتركة . وإذا ما أرادت الدول الأوروبية أن يكون لها وزن حقيقي على ساحة الصراع الدول فيجب أن تمتلك القوة العسكرية والسياسية معاً من أجل بناء هذا الوزن الحقيقي الذي يجعلها تسير وفق المصالح الأوروبية فقط .

تعتبر النقاط الرئيسية السابقة الذكر هي الأكثر أهمية في مشروع إصلاح الاتحاد الأوروبي وبناء كيان أوروبي أكثر قوة وصلابة في مواجهة التحديات القائمة، لتبرز بعدها عدد من النقاط المهمة أيضا في بناء هذه الاستراتيجية لمستقبل الاتحاد الأوروبي، وأهمها.

  • بناء استقلالية اقتصادية أوروبية وتأمين سلاسل توريد بما يتناسب مع المصالح الأوروبية وعدم التبعية لاقتصادات أخرى كما كشفت جائحة كورونا .

  • العمل من أجل مرونة اتخاذ القرارات داخل المفوضية الأوروبية وفق المصالح الأوروبية الخالية وليس وفق المصالح الأمريكية الأوروبية كما كانت سابقاُ .

  • العمل على أصلاح مؤسسات الاتحاد الأوروبي وخاصة البرلمان الأوروبي بما يضمن مشاركة الناخبين الأوروبي في رسم توجهات ومستقبل الاتحاد الأوروبي، بالإضافة الى تعزيز القيم الأوروبية المجتمعة وفق مصالح أوروبية وليست وطنية لكل دولة .

من خلال هذه النقاط يمكن تسير الدول الأوروبية نحو الإصلاح الشامل نحو اتحاد أوروبي أكثر قوة وصلابة في مواجهة التحديات المستقبلية وأهمها التغييرات في خارطة التحالفات الدولية بعد جائحة كورونا، وقضية مواجهة الصين اقتصادياً، بالإضافة الى عودة الثقل الأوروبي على الساحة الدولية .

أبعاد مؤتمر مستقبل أوروبا.
. وما الذي تحت
Download وما الذي تحت • 2.08MB

وحدة الدراسات الأوروبية | ملف الاتحاد الأوروبي

مركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية

www.centredegeneve.org